بغداد ـ العالم
يعوّل الإطار التنسيقي، الذي يضم قوى سياسية شيعية فاعلة، على إمكانية حدوث تغيير في الموقف الأميركي إزاء مرشحه لرئاسة الحكومة نوري المالكي، مستنداً إلى التطورات الإقليمية المتسارعة ومساعي تجنيب العراق تداعيات الصراعات الدولية. وفي هذا السياق، يرى قادة في الإطار أن الضغوط الأميركية، على حدّتها، قد تكون قابلة للاحتواء عبر تفاهمات سياسية تضمن ما يصفونه بـ“حقوق المكوّن” وتحفظ استقرار البلاد.
وكشفت مصادر مطلعة عن تأكيد سفارة واشنطن رفضها لمرشح الاطار نوري المالكي وذلك في لقاء جمع الأخير مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية ببغداد.
وقالت المصادر لـ"العالم"، ان واشنطن أكدت للسيد المالكي أنها لا تدعم ترشيحه لرئاسة الوزراء، وفي حال إصراره على ذلك، فإنها سترفع الدعم عن العراق.
والتقى رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، الجمعة، القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى بغداد جوشوا هاريس، على وقع توترات بشأن مسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة واحتمال ترؤس المالكي لها.
وقال ائتلاف دولة القانون، في بيان، إن الطرفين بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
كما بحثا المشاورات الجارية بين القوى السياسية نحو تشكيل رئاستي الجمهورية والوزراء، ورؤية الإطار التنسيقي الجامع للقوى الشيعية لمسار الحكومة المقبلة، وفق البيان.
من جهته، قال عضو الإطار التنسيقي عن حزب اقتدار، نسيم عبد الله، إن القوى السياسية تدرك حجم التحديات التي تمر بها المنطقة، وستعمل على إبعاد العراق عن أي صراعات إقليمية أو دولية. ولم يستبعد عبد الله أن تغيّر واشنطن موقفها من ترشيح المالكي إذا ما جرت تفاهمات تقلل من المخاوف الأميركية وتجنّب المنطقة تبعات سلبية محتملة.
من جانبه، أكد رئيس تحالف تصميم، المنضوي في الإطار التنسيقي، عامر الفايز، أن ترشيح المالكي يحظى بإجماع داخل “البيت الشيعي”، لكنه يبقى مرتبطاً بإكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية داخل البرلمان، ليُكلَّف بعدها مرشح الإطار بتشكيل الحكومة خلال ثلاثين يوماً.
في المقابل، يبدو أن الموقف الأميركي تجاوز مرحلة الرسائل الدبلوماسية التقليدية، ليدخل طور الضغط العلني والمباشر. فقد كشفت تقارير صحفية أميركية، أبرزها تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، عن رسالة وصفت بـ“الاستثنائية” وُجهت إلى قادة الإطار التنسيقي، عبّرت بوضوح عن رفض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، معتبرة تجربته السابقة “سلبية” ومثيرة للانقسام.
وبحسب التقرير، فإن الرسالة، التي قرأها عمار الحكيم خلال اجتماع مغلق لقادة الإطار، مثّلت أول تدخل مباشر بهذا الوضوح في مسار تشكيل الحكومة العراقية. وأشارت إلى أن الولايات المتحدة ستتخذ قراراتها السيادية بشأن التعامل مع الحكومة المقبلة بما يتوافق مع مصالحها، مع اشتراطها قيام حكومة “تفكك الميليشيات” وتحدّ من النفوذ الإيراني.
ورغم التحذيرات، مضى الإطار التنسيقي في إعلان ترشيح المالكي، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تصعيد لهجته، معلناً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة “لن تساعد العراق” في حال عودة المالكي، وواصفاً سياساته وأفكاره بـ“المجنونة”. هذا التصعيد غير المسبوق وضع القوى السياسية العراقية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التراجع عن المرشح وتحمل كلفة داخلية، أو المضي به ومواجهة تبعات اقتصادية وسياسية ثقيلة.
في هذا السياق، أعلن نوري المالكي تمسكه بترشيحه، معتبراً أن اختيار الحكومة والقيادات شأن وطني يجب أن يُحترم. وقال المالكي في بيان صحفي إن العملية السياسية في العراق قامت على تضحيات جسيمة، وإن الشعب العراقي وحده من يملك حق اختيار قياداته عبر المؤسسات الدستورية. وأضاف أن العراق يتطلع إلى علاقات متوازنة مع الدول الكبرى، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن أي تدخل في الشؤون الداخلية.
لكن خلف هذا الخطاب السيادي، تتصاعد المخاوف داخل الأوساط السياسية من التداعيات الاقتصادية المحتملة. فالعراق يعتمد بشكل كبير على النظام المالي الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بعائدات النفط المودعة في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. ويخشى مسؤولون عراقيون من أن يؤدي تجاهل الموقف الأميركي إلى فرض قيود مالية أو عقوبات قد تعمّق الأزمة الاقتصادية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن تأييد إيران الصريح لترشيح المالكي زاد من حدة الاعتراض الأميركي، في إطار الصراع الأوسع بين واشنطن وطهران على النفوذ في العراق. كما أن وجود فصائل مسلحة مدعومة من إيران ضمن الإطار التنسيقي يضع الحكومة المقبلة، في حال تشكلت برئاسة المالكي، أمام اختبار صعب في علاقتها مع الولايات المتحدة.
في المحصلة، يجد الإطار التنسيقي نفسه في مأزق سياسي حرج، بين خطاب السيادة الوطنية وضغوط الواقع الدولي. وبينما يصر المالكي على المضي في الترشح وعدم التراجع، تتزايد التساؤلات حول قدرة القوى السياسية على تحمّل كلفة هذا التحدي، وما إذا كان العراق مقبلاً على مواجهة سياسية واقتصادية مفتوحة، أم على تسوية جديدة تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة.