رشا إسماعيل العزاوي
إن الإبداع الثقافي هو أي ابتكار يخلقه المرء، وهو لا يعد بناء مادياً، بل يشتمل الإبداعات الثقافية مجموعة من السلوكيات التي تتبناها مجموعات من الشعوب، وتترسخ من خلال تمريرها على الآخرين ضمن المجموعة أو خارجها، كما يتم تمريرها إلى المجموعات والأجيال المستقبلية، وللإبداع الثقافي أربعة مقومات رئيسة، المقوم الأول: الحساسية للمشكلات، والثاني: الطلاقة، الثالث: المرونة، والرابع: الأصالة.
وإذا كان من المتفق على أن إبداع الشي هو إنشاؤه على شاكلة غير مسبوقة، فإن الإبداع الثقافي يعني انتهاج نهج جديد وصياغة غير مسبوقة في فنون القول كالشعر والنثر وفنونهما، وفي مجال الفنون التشكيلية كالرسم والنحت والتصوير وسائر الفنون الجميلة من موسيقى وغناء وتمثيل إلى غيرهم، ولا يبتعد عنصر الإبداع عن العلم والعلوم حينما يكتنف مخاضها الإلهام والتخيل والتأليف، أي أن المبدعون أولئك الذين يضيفون العناصر الجديدة في نطاق فن ما، أو يستحدثون نهجاً مبتكراً في دراسة أو بحث وأدنى درجات الإبداع هي وضع القديم في صياغة مستحدثة لم يكن عليها من قبل
والمجتمع بوصفه تجمعاً من الأفراد لا يخلق الإبداع بل يسهم في اكتشاف المبدعون وخلق المناخ المساعد والمناسب لتنمية الإبداع، ومن هنا نجد ان هناك مجتمعاً يساعد على ظهور الإبداع وهو مجتمع نطلق عليه مجتمع ثقافة الإبداع ومجتمع آخر يقوم بكف الإبداع وهو مجتمع نمطي ينتمي إلى ثقافة الذاكرة. وعندما يهتم المجتمع برموز الإبداع من فنانين وشعراء وكتاب وعلماء ومنتجين ومصدرين للأفكار يكون للإبداع سوق يتداول فيه هؤلاء أفكارهم بحرية دون اعتداء معنوي أو مادي تكون فيه ثقافة الإبداع جزءاً من ثقافة المجتمع ككل. وعليه، إنّ الإبداع جزء من الثقافة وجزء من الواقع، إذ أن وضع الثقافة بدون الإبداع في مجالات الحياة والثقافة سيظل مكاننا في أحسن الأحوال مكان التابع والمقلد، فالإبداع عطاء خيال حر، وعقل تتفتح له الآفاق، وإرادة تملك حق الاختيار، وواقع الثقافة في مجتمعنا أنها لا توفر الكثير من ذلك، صحيح أن حياتنا العملية والثقافية لم تخل من مبدعين، ولكنهم قلة تشق حركتها وسط ركام هائل من أنظمة تقليدية، فإن العديد من العوائق التي يقوم بها المعلم لإعاقة الإبداع منها: رفض أفكار التلاميذ الجديدة، وهو يقوم بدور الملقن للمعلومات، وهو يتناول الدرس بشكل مباشر يشجع التلاميذ في حل أسئلة الدروس بطريقة واحدة، يميل إلى إخبار التلاميذ بالحلول الجاهزة، يستخدم الطرق التقليدية في حل المشكلات، يوجه تلاميذه للاهتمام بالكتب المدرسية يدرب التلاميذ على الفكرة الواحدة، يتسم بالتسلطية والانفراد برأيه، يشعر التلاميذ بالخجل والحياء في مواجهة المواقف الاجتماعية. كما أنّ الإبداع في الفنون والعلوم تتميز في الغالب بالبحث عن تأليف جديد بين الأفكار التي كانت تبدو من قبل مختلفة أو منفصلة إلى حد كبير، فالعلوم والفنون تشترك في أن هدفها هو البحث عن النظام في التعقيد والوحدة في التنوع. يُعد ارتباط الإبداع بالثقافة من أهم عوامل التنمية، ومن بين ألازمات التي تتعرض لها الثقافة هي أزمة الإبداع؛ فهي مسؤولية فردية وجماعية وتاريخية في آن واحد، إذ يرتبط غنى هذا الإبداع بالقدرات الفنية الخلاقة للمبدعين فالثقافة التي يتوقف فيها الإبداع تدخل مرحلة الجمود والسكون لذلك لا بد على الثقافة الإبداعية للأطفال ومن ثم للشباب تشجيع كل سياسة تنموية ثقافية، والعمل في تأسيس نظرية معرفية متكاملة تستطيع من خلالها توضيح الرؤية الحضارية الشاملة والتي تحرك النهضة الثقافية. إذاً، المجتمع في حاجة ماسة إلى مساهمة المبدعين كل في تخصصه للنهوض بالمجتمع والرقي به، ولكن لكي يكون هناك إبداع ثقافي في كامل ربوع الوطن علينا أن نسعى إليهم، ونذلل لهم العقبات والقيود وتسهيل كل القيود المرتبطة بالإبداع هو فرصة تاريخية تتاح للمجتمعات الأقل نمواً لاختزال مراحل هامة في تحقيق توازنات داخلية وظهور مهن جديدة، وبلوغ درجات أعلى من الرفاه والتموضع داخل البناء الاجتماعي. فالإبداع هو المحك الحاسم في الإسراع بتقدم شعب من الشعوب أو تخلفه. ويبقى الاهتمام بالإبداع كظاهرة بشرية يستحق المزيد من المتابعة والفحص والتدقيق، ويستحث جهود الباحثين والمتخصصين، بالرغم من الكم الهائل من البحوث والدراسات التي تسجلها الدوريات العلمية المتخصصة حول ظاهرة الإبداع، إلا أننا لا نزال نكتشف جديد، ونعرف عن الإبداع ما لم نعرفه، فكل دراسة جادة هي خطوة على الطريق.