الشعبوية في الغرب
1-شباط-2026


يشهد الغرب منذ أكثر من عقد صعود تيارات وقيادات توصف بالشعبوية، من تجربة دونالد ترامب في الولايات المتحدة إلى حضور مارين لوبان في فرنسا، وصعود جورجيا ميلوني في إيطاليا، وتقدم خيرت فيلدرز في هولندا، وتعاظم وزن حزب البديل من أجل ألمانيا في ألمانيا، وهذه الظاهرة لا يمكن فهمها بوصفها انحرافًا طارئًا أو موجة عاطفية عابرة، بل بوصفها تعبيرًا سياسيًا مكثفًا عن توتر بنيوي عميق يمر به المجتمع الغربي في مرحلة انتقال تاريخي بين نموذج استقر بعد الحرب العالمية الثانية ونموذج جديد لم تتضح ملامحه بعد.
لقد نشأت الشعبوية على أرضية تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية متراكمة، فالعولمة التي رفعت أرباح الشركات الكبرى ووسعت الأسواق أضعفت في الوقت نفسه الطبقات الصناعية التقليدية وخلقت شعورًا واسعًا بالتهميش لدى فئات كانت ترى نفسها عماد الطبقة الوسطى، كما أن التحول التكنولوجي السريع أعاد تشكيل سوق العمل بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيّف، فتكوّن شعور مزدوج بالخسارة الاقتصادية وفقدان المكانة الاجتماعية، يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة بين النخب السياسية والبيروقراطية والثقافية من جهة وقطاعات واسعة من الجمهور من جهة أخرى، بحيث بدا لكثيرين أن النظام الديمقراطي يعمل لمصلحة دوائر ضيقة تتبادل السلطة والخطاب في ما بينها دون أن تعكس القلق اليومي للمواطن العادي، ومع تزايد الهجرة وتسارع التغيرات الديموغرافية تعاظم قلق الهوية والانتماء، فتداخل العامل الاقتصادي بالعامل الثقافي في إنتاج مزاج احتجاجي واسع وجد في الخطاب الشعبوي أداة تعبير مباشرة وغير منمقة عن غضبه وعدم ثقته بالمؤسسات. من هنا فإن الشعبوية ليست سبب الأزمة بقدر ما هي نتيجة لها، فهي صوت الاحتجاج على خلل التوازن بين السوق والمجتمع وبين النخب والجمهور وبين العولمة والسيادة الوطنية، ولهذا السبب لا يمكن توقع اختفائها السريع لأن الشروط التي أنتجتها لم تختف بعد، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبارها مستقبل النظام الغربي أو بديلًا مستقرًا عنه، إذ إن الشعبوية بارعة في التعبئة والهدم الخطابي وكسر التابوهات، لكنها أقل كفاءة في إدارة الاقتصادات المعقدة وبناء التسويات المؤسسية طويلة الأمد وإدارة التعددية الاجتماعية والثقافية، وعندما تنتقل من موقع المعارضة إلى موقع الحكم تبدأ التناقضات البنيوية بالظهور، إذ يصطدم الوعد البسيط بالحلول السريعة بواقع الدولة الحديثة المتشابك داخليًا وخارجيًا، فتُجبر القيادات الشعبوية على قدر من البراغماتية والتراجع التدريجي عن بعض الشعارات الحادة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في انتصار كاسح للشعبوية ولا في انهيارها الكامل، بل في تحولها من حركة صدامية خارج النظام إلى مكوّن دائم داخله يضغط ويؤثر ويعيد تشكيل التوازنات، كما حدث تاريخيًا مع حركات كانت في بداياتها راديكالية ثم اندمجت جزئيًا في النظام العام بعد أن فرضت تعديلاته، وفي هذا المسار ستذوب أجزاء من الخطاب الشعبوي داخل سياسات التيار العام، خاصة في مجالات مثل تشديد سياسات الهجرة، وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية، ومراجعة بعض أشكال العولمة المنفلتة، واعتماد لغة سياسية أكثر مباشرة وأقل نخبوية، أي أن الشعبوية ستترك أثرًا عميقًا في شكل الديمقراطيات الغربية لكنها لن تلغيها ولن تستبدلها بنظام جديد متماسك.
ومع مرور الوقت ستتأثر الشعبوية بعوامل قد تحد من زخمها، فالأداء الاقتصادي يبقى عنصرًا حاسمًا في مزاج الناخبين، فإذا استطاعت الحكومات تحسين مستويات الدخل.

تنسيقية منتسبي التعليم: تعليق الاعتصامات مؤقتاً
1-شباط-2026
«سومو»: لا تخرج قطرة نفط من اقليم كردستان الا من خلالنا
1-شباط-2026
واشنطن تبلغ المالكي رفضها تسلم رئاسة الوزراء والاطار في مأزق البديل
1-شباط-2026
رواتب الرئاسات الثلاث.. إنفاق فلكي في بلد يعاني شحّ السيولة
1-شباط-2026
المصممة هالة الجنابي في ضيافة الدار العراقية للأزياء
1-شباط-2026
الدوري العراقي يعزز قوته بـ7 نجوم من منتخب الأردن المتأهل لكأس العالم
1-شباط-2026
أزمة إدارة الإبداع الثقافي
1-شباط-2026
جمهور جنوب القاهرة يذوق «طعم الخوف» مسرحيا
1-شباط-2026
الصين تستنسخ أغلى آلة في العالم.. هل سيغمض جفن واشنطن؟
1-شباط-2026
الشعبوية في الغرب
1-شباط-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech