بغداد – طريق الشعب
في وقتٍ يواجه فيه ملايين الموظفين العراقيين تأخيراً في صرف رواتبهم بسبب شحّ السيولة، وتكافح فيه الحكومة لتأمين الالتزامات الشهرية عبر المناقلة بين الوزارات، تكشف الأرقام الرسمية عن فجوة صادمة في أولويات الإنفاق الحكومي، تتجسد بوضوح في رواتب الرئاسات الثلاث، التي وصفها مرصد “إيكو عراق” بأنها مرتفعة وغير مبررة، وتُصرف على حساب الخدمات العامة والعدالة الاجتماعية.
ووفقاً لبيان صادر عن المرصد، فإن إجمالي رواتب موظفي الدولة العراقية حتى تشرين الثاني 2025 بلغ نحو 56 تريليون دينار، استحوذت الرئاسات الثلاث وحدها على ما يقارب 6.46 تريليون دينار منها، موزعة بواقع 5.9 تريليون لمجلس الوزراء، و0.5 تريليون لمجلس النواب، و0.04 تريليون لرئاسة الجمهورية. وهي أرقام تعكس حجم الإنفاق الكبير على مؤسسات لا تقدم خدمات مباشرة للمواطن، في وقت تعاني فيه القطاعات الحيوية من نقص التمويل.
ويرى مختصون أن هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن واقع الانسداد المالي الذي تعيشه الدولة، حيث اضطرت وزارة المالية، بحسب مصادر مطلعة، إلى تأمين رواتب شهر كانون الثاني عبر المناقلة بين الوزارات والدوائر الحكومية، في مؤشر خطير على هشاشة الإدارة المالية، وضعف التخطيط بعيد المدى.
ويشير مرصد “إيكو عراق” إلى أن استمرار ضخ هذه النفقات على الرئاسات الثلاث يُعد هدراً للمال العام، ويكشف خللاً بنيوياً في توزيع الموارد، إذ تُمنح الامتيازات العليا في قمة الهرم السياسي، بينما يعاني ملايين الموظفين من تدني الرواتب، وتأخر صرف المستحقات، وغياب أي زيادات تتناسب مع ارتفاع كلفة المعيشة.
وتزداد حدة الانتقادات في ظل توقف أو تعثر مشاريع خدمية أساسية في مجالات الصحة، والتعليم، والبنى التحتية، فضلاً عن العجز المزمن في قطاعات الكهرباء والمياه والنقل، وهي ملفات تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر. ويرى مراقبون أن تضخم رواتب ومخصصات المسؤولين يعكس غياب الإرادة السياسية لإجراء إصلاحات حقيقية في هيكل الإنفاق العام، والاكتفاء بإجراءات تقشفية تطال الفئات الأضعف.
كما يلفت اقتصاديون إلى أن العدالة في توزيع الموارد لا تتحقق عبر تقليص رواتب الموظفين الصغار أو إلغاء مخصصاتهم، كما حدث في قرارات سابقة، بل من خلال إعادة النظر في سلم الرواتب العليا، ووضع سقوف واضحة للامتيازات، وربطها بالأداء والخدمة العامة الفعلية.
ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا النهج سيعمّق فجوة الثقة بين المواطن والدولة، ويغذّي الشعور باللاعدالة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى سياسات مالية شفافة تعيد توجيه الإنفاق نحو التنمية والخدمات، لا نحو تضخيم كلف الحكم.
وفي ظل الأزمة المالية الحالية، تبدو رواتب الرئاسات الثلاث عنواناً صارخاً لاختلال الأولويات، وسؤالاً مفتوحاً حول جدية الحكومة في الإصلاح، وقدرتها على إقناع المواطن بأن التقشف يُطبق على الجميع، لا على طرف واحد فقط.