رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 13 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2078

أزمة الكهرباء.. متى تنتهي؟

1 ـ 2

د. كريم وحيد*

2- بعد مغادرتي الوزارة في عام 2010، انحرفت وزارة الكهرباء عن برنامج الخطة المركزية التي تم اطلاقها في شهر تشرين الثاني عام 2006 بمؤتمر دولي وتم استعراضها في مجلس النواب في شباط عام 2007، وتوسعها الى العام 2030 من خلال تكليف مؤسسة بارسنز برنكرهوف العالمية خاصة بعد تعاقد الوزارة وبتوجيه من لجنة الطاقة الوزارية في العام 2011 مع شركتين إحداهما كندية والاخرى ألمانية، لتجهيز ونصب محطات (ديزل) بسعة اجمالية بمقدار 5000 ميكاواط موزعة على 25 موقعا، أي بسعة 200 ميكاواط لكل موقع.  لا نريد هنا التعرّض لموضوع العقدين المشار إليهما من الجوانب التعاقدية واللذين تم الغاءهما لاحقا بعد التحقق بكونهما عقدين ابرما مع شركتين غير متخصصتين "وهميتين"، ولكننا سنوضح للمعنيين والمهتمين، نوع هذه المحطات والجوانب الفنية والاقتصادية من حجم الصفقة ونوع هذه المحطات، حيث انه لا توجد مؤسسة كهرباء دولية في طور البناء تُقْدمُ على نصب محطات ديزل بهذه السعة في وقت كانت فيه وزارة الكهرباء العراقية قد تعاقدت في الاعوام 2006-2010 مع شركات عالمية رصينة لإنشاء محطات استراتيجية "بخارية وغازية كبيرة" بسعة 15 الف ميكاواط، مع تهيئة كافة مستلزماتها من تخصيصات مالية ومواقع جغرافية وتصاميم ومعدات مجهزة من مناشيء عالمية معروفة ومتخصصة، إضافة الى اعتماد شركات مؤهلة لتنفيذها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل ما تقدم مبني على دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية التي تم إقرارها من قبل لجنة الطاقة وهيئة المستشارين في مجلس الوزراء.  أما محطات "الديزل" بشكل عام، فإن بناءها ونصبها يكون اساسا لغرضين محددين، الأول لتجهيز الطاقة الكهربائية لمناطق معزولة وغير مرتبطة بالشبكة الوطنية، والثاني هو ربطها بالشبكة الوطنية الكهربائية فقط للتغذية الاضطرارية خلال فترات حمل الذروة أو في حال حدوث طارئ يؤدي الى نقص في إنتاج الطاقة الكهربائية لفترات محدودة، بمعنى أنه لا يمكن اعتمادها كحمل أساس في المنظومة الكهربائية. بالإضافة الى عدم استقرارية عملها في حال تذبذب انتاج المنظومة الكهربائية لأسباب فنية.  علاوة على التكلفة المالية الاستثمارية العالية لهذه المحطات، والتي تتراوح ما بين 1.2 الى 1.5 مليون دولار لكل ميكاواط!، ان التكلفة التشغيلية لها هي الأخرى مرتفعة جدا، حيث ان تشغيل المحطات المذكورة يتطلب توفير زيوت "التزييت" وحسب تعريف كمية استهلاك الزيت "برميل زيت سعة 220 لتر/يوم لكل وحدة انتاج بسعة 10 ميكاواط"، وهذا يعني انه يتطلب توفير زيوت بكميات 100 ألف لتر يوميا للسعة المتعاقد عليها والبالغة 5000 ميكاواط بكلفة تقدر بمليون دولار يوميا حيث ان معدل سعر اللتر الواحد من هذه الزيوت بمقدار 10 دولار، وبـكلفة كلية بمقدار 365 مليون دولار سنويا وتعتبر ارقام كبيرة جدا كإحدى مفردات الكلفة التشغيلية الكلية.  اضافة الى ذلك، إن هذا النوع من المحطات تشتغل على الوقود الثقيل وبكمية إجمالية تصل الى 25 ألف طن يوميا، وهذا يتطلب توفير أسطول بعدد 3×1000 صهريج بسعة 25 طن لكل صهريج يوميا مع تهيئة طرق سالكة داخل المدن، لتتمكن من ملئ ونقل وتفريغ هذه الكمية، التي تعجز عن تحقيقه أي مؤسسة نقل متخصصة، ولا نعرف السبب وراء هذا الإصرار على شراء وتنصيب هذه المحطات، مؤكدين ثانية أنه لا توجد شركات رصينة قادرة على تصنيع أو تجهيز مثل هذه السعات في الفترة الزمنية التي حددت لها.  ان العمر التشغيلي لهذه المحطات لا يتجاوز الأربع سنوات وبحسب تجارب وزارة الكهرباء العراقية بمحطات الديزل.  اضافة الى طول فترة تنصيب هذه المحطات مع شبكاتها الكهربائية نسبيا، وهو بالتأكيد خارج التوجه العام المعني بتقليص الفترة الزمنية للوصول للاكتفاء المنشود من الطاقة الكهربائية. بالإضافة الى العديد من الإشكالات الفنية والمالية الأخرى المتعلقة بهذين العقدين.  وكنا نأمل أن تتوجه الوزارة الى استثمار الزمن المهم والاسراع في إنجاز ما بدأت به الوزارة سابقا في بناء المحطات الاستراتيجية المتعاقد عليها ضمن الخطة الاستراتيجية التي وضعت وفق برنامج زمني دقيق خطط له وبفترات انجاز زمنية قياسية على أن تدخل هذه المحطات حيز التشغيل والانتاج في العام 2013.  وبالرغم من ارسالنا التوضيح بشأن عدم الجدوى بنصب محطات الديزل تعاقدت الوزارة مع شركة اس تي اكس الكورية بشراء ونصب محطات ديزل بسعة اجمالية 900 ميكاواط والتي لم تعمل بأكثر من أربع سنوات بالرغم من تشغيلها وصيانتها من قبل كادر من الشركة المجهزة الكورية بعقد كلفته أكثر من 40 مليون دولار سنويا.  "أليست هذه المشاريع هي نتاج لنظام سياسي ينتهج مبدأ المحاصصة السياسية من طائفية وعرقية"؟

3-التأخير بتنفيذ تنصيب وتشغيل عقدي المحطات الغازية بسعة 11 الف ميكاواط كمرحلة اولى بدورة بسيطة، وحسب البرنامج الزمني الدقيق المرفق في الخطة الاستراتيجية والمتزامن مع الجدول الزمني لوصول معدات المحطات، اضافة بعدم الالتزام باعتماد قائمة الشركات العالمية المتخصصة في اعمال تنفيذ وتنصيب محطات الانتاج الغازية المؤهلة والتي تم ترشيحها من خلال مؤتمرين دوليين بالشركات المتخصصة بتنفيذ مشاريع تنصيب المحطات، والتعاقد مع شركات غير مؤهلة فنيا وماليا مما تسبب في تأخير تنفيذ وتشغيل المحطات ولازالت محطتي الناصرية والسماوة غير منفذتين بسبب مغادرة الشركات المنفذة عملها لعدم كفاءتها ومازالت بعض المحطات غير مكتمل التنفيذ ولم تحسم فيه نقاط خلافها مع الجهات المنفذة.  اضافة الى ذلك تم توقيع عقد محطة غازية كبيرة ومنذ أربع سنوات لازالت معداتها مركونة في مخازن الوزارة، وكان بالإمكان ان تستثمر تخصيصاتها في حينه لإكمال المشاريع غير المنفذة الى تاريخه او يتم نصبها في مواقع بديلة كونها مرتبطة بالشبكة الوطنية الموحدة لتجهيز المحافظات المتضررة نتيجة الاعمال الارهابية.

4-فرضت على وزارة الكهرباء في عامي 2014 و2015 أربعة مشاريع انتاج استثمارية  سعة اجمالية بمقدار 8340 ميكاواط لإنتاج الطاقة الكهربائية خارج السياقات الفنية والقانونية التي وضعت من قبل الشركة الاسكتلندية آي بي أي المتعاقدة معها الوزارة في عام 2009 والمتخصصة في بناء المنهاج الاستثماري لقطاع الطاقة الوطني والذي تم استعراضه في مجلس الوزراء وفي ندوة تخصصية وتم الاعلان عن الرقعة الاستثمارية الاولى  لمشاريع محطات غازية بدورة مركبة وقبل مغادرتي الوزارة في عام 2010، ملزمة بالخطة الوقودية المعتمدة مع وزارة النفط والتي لم تتحقق لحد تاريخه، مما اضطرت وزارة الكهرباء مؤخرا وبعد توقيع عقود المشاريع الاستثمارية الاربعة، ولالتزامات تعاقدية مع الشركات الاستثمارية التي تتطلب فيه ان توفر وزارة لكهرباء كميات الغاز اللازمة لتشغيل المحطات الاستثمارية وذلك باستخدام الغاز المجهز والمستورد من جمهورية ايران الاسلامية والمخصص والمتعاقد اساساً لتشغيل محطات انتاج الطاقة الغازية التي تم تنفيذها ضمن خطة الوزارة الاستراتيجية ولفترة محددة ولحين توفير كميات الغاز المنتج من وزارة النفط في عام 2014 وحسب الخطة الوقودية، مما تطلب الاستمرار في تشغيلها على انواع الوقود البديلة بكفاءة منخفضة وبكلف تشغيلية عالية.  فما هي الجدوى من تنفيذ مشاريع الاستثمار في بيئة غير مهيئة استثمارياً ومنها عدم توفير الوقود الملائم لتشغيلها؟  وما الذي تحقق من اضافة قدرات توليدية جديدة من مشاريع استثمار غير مدروسة تعطل فيه قدرات انتاجية متاحة لمحطات الانتاج العاملة؟  فهل كان هدف التعاقد لهذه المشاريع الاستثمارية هو اعلامي سياسي للانتقال الى الاقتصاد الاستثماري ام لعدم المعرفة بتبعات التعاقدات كونه سيستنزف الموازنة التشغيلية وبمبالغ شراء تصل الى أكثر من ملياري دولار سنويا من شراء الكميات المنتجة تعاقديا غير متضمنة كلف الوقود المجهز وبأسلوب شراء ملزم خذ/ادفع والتي لا يمكن تحقيقها من ايرادات الجباية لأسباب فنية ومالية وادارية؟  وهذا ما اشار اليه تحفظ المعنيين من قياديي الوزارة بتقرير مقدم الى لجنة الطاقة الوزارية حول طريقة وآلية الاستثمار في بيئة غير مهيئة استثمارياً.

استمرار أزمة قطاع الكهرباء والمحاصصة

نلفت هنا عناية المواطن والمهتمين بموضوعة أزمة الكهرباء، انه على الرغم من الجهود التي بذلت لبناء مؤسسة كهرباء مستقلة غير خاضعة لشروط المحاصصة الطائفية والسياسية وتحييدها بعد استلامنا مسؤولية وزارة الكهرباء، التحقت الوزارة بعد مغادرتي لها بركب مؤسسة المحاصصة السياسية والعرقية والطائفية اسوةً بزميلاتها من الوزارات والهيئات لتكون جميعها متجانسة ومتوازنة في النظام السياسي الذي يتمخض في ولادة ازمات ومنها ازمة الكهرباء.  إن النظام الذي تعرض مؤخرا لمحاولات اصلاحية محدودة التأثير ولكن سيكون لها وقعاً أكبر بتفاؤل في المرحلة القادمة لأنها ستكون محرجة لكيانه واستمراره.  مع أننا سبق ولا نزال سباقين في التحذير من حدوث الأزمات في تجهيز الطاقة الكهربائية وأداء قطاع الصناعة النفطية وشحة الايرادات المائية لحوضي دجلة والفرات كونهما محوران مهمان مشاركان في صناعة الطاقة الكهربائية.

(*) مهندس كهربائي، وزير الكهرباء الأسبق.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي