الأدب الشعبي السفلي كما تجلى في «مذكرات نشال»
13-كانون الثاني-2026

شريف صالح
نُشرت هذه المذكرات للمرة الأولى عام 1927 في جريدة "لسان الشعب"، ثم في كتاب عن المطبعة اليوسفية عام 1930، وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني عرض في شهر رمضان الماضي، بعد صدورها في طبعة محققة (دار دوِن) بتوقيع أيمن عثمان. يكتب المنتصر التاريخ، أما المهزوم فيلعق جراحه للأبد. تستعين السلطة بالمؤرخين الثقات كي يعظموا إنجازاتها ويبرروا إخفاقاتها، بينما الناس نفسهم لا يُسمع لهم صوت. لهذا السبب تبدو مدونة التاريخ حافلة بالأكاذيب التي تمجد من يملك القوة والسلطة. فإذا كان "الجلاد" يكتب ما يحلو له، فماذا عن "الضحية"؟
التاريخ الشعبي
يتجلى هذا التوجه لدى فلاسفة ومؤرخين كبار مثل غرامشي، وقد استخدم لوسيان فيبر عبارة "التاريخ يُرى من الأسفل وليس من الأعلى" عام 1932، بينما كتب هوارد زين "تاريخ الشعب في الولايات المتحدة" عام 1982 للإخبار عن الجماهير لا النجوم. لعل التعبير الأكثر دقة هو "التاريخ الشعبي" أي غير الرسمي، عن المهمشين والأقليات وأساطير الناس العادية، ودفاتر اليوميات المهملة، والحكايات الشذرية بعد سقوط السرديات الكبرى.
كأن الأسئلة الجوهري: لمن تدين الحياة في تقدمها؟ ومن يدفع عجلة التاريخ إلى الأمام؟ هل هو ذلك "الرجل العظيم" الملهم والبطل الذي لا مثيل له، أم البسطاء عبر صراعهم اليومي مع الحياة؟ إنها أسئلة تجر خلفها ثنائيات كثيرة تتعلق بالأغنياء والفقراء، السادة والعبيد، الزعيم والشعب، من هم في الأعلى ومن عاشوا في الأسفل. ومن بين المؤرخين الذين انشغلوا بالمهمشين والزوايا الاجتماعية الكاتب الراحل صلاح عيسى الذي قدم سيرة مغايرة للأختين "ريا وسكينة"، بل إن نجيب محفوظ نفسه استلهم روايته الشهيرة "اللص والكلاب" من مجرم شغل الناس في مصر مطلع السيتنيات من القرن الماضي هو "محمود أمين سليمان" الشهير ب "سعيد مهران".
حكاية النُص
أحدث هؤلاء الأبطال هو "عبد العزيز" الشهير ب "النُص" والذي عرض التلفزيون سيرته في مسلسل من تمثيل أحمد أمين، حقق نجاحًا لافتًا، حيث بدا في تحوله من شخص يعيش على سرقة الناس والاحتيال عليهم إلى بطل شعبي يقاوم الإنجليز، كأنه يعيد صياغة لأسطورة علي الزيبق ذي المكر والألاعيب الذي تصدى لظلم المماليك. صحيح أنه "نشال" لكنه أيضاً إنسان يحاول مساعدة شقيقه المريض، ويقرر التوبة والعمل كـ "كمسري"، أي محصل في وسيلة نقل عامة.
تدور أحداث القصة في القاهرة في عشرينيات القرن الماضي، فإذا كان محفوظ استلهم شخصيات حقيقية سمع عنها مثل السفاح محمود أمين سليمان، أو الفتوات الذين عاصرهم في الجمالية والحسينية، فهل "النُص" شخصية حقيقية عاشت قبل مئة عام؟ يضاف إلى ذلك وصف المؤرخ خير الدين الزركلي للكاتب حسني يوسف بأنه "رائد مدرسة جديدة في الأدب"، باعتباره يهتم بتصوير الواقع عبر نماذج مهمشة مثل الفتوة والنشال ثم إعلانه عن "مذكرات متشرد". وبخلاف تدوين سلوكيات المهمشين، والمزج بين الفصحى والعامية وغلبة لغة الشارع، فلا يخفى الهدف التجاري من ورائها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أيمن عثمان أعاد نشر السيرة ووثَّقها ووضع لها مقدمة وملاحق وشروح، بينما حسني يوسف حين نشرها فعل ذلك بوصفه الناشر و"صاحب ومحرر جريدة صوت الشعب"، ووضع اسم عبد العزيز النُص كمؤلف، مع الإشارة إلى انها "قصة انتقادية فكاهية"، ما يعزز فرضية أن "النُص" بطل ومؤلف متخيَّل.
أيام الفتوات
من الواضح أنه عقب ثورة 1919 كان هناك ولع بسير المهمشين والمجرمين والبغايا، كسردية موازية لكتب ومذكرات الساسة والمشاهير. وإذا كان محفوظ أعاد استلهام "الفتوات" في روايات وقصص كثيرة أشهرها "ملحمة الحرافيش"، وارتقى بها إلى نماذج أدبية رفيعة، فإن حسني يوسف قدَّم تصوراً مغايراً للفتوة، من خلال قصة "أدبية فكاهية" عن "المعلم يوسف أبو حجاج" مع الإشارة إلى أنها من تأليف بطلها، لكنها طُبعت على نفقة الناشر.
وثمة محاولة حثيثة لترويجها بأنها "ذات مواقف غريبة وحوداث مدهشة"، وايضاً "مكتوبة باللغة الدارجة"، وتباع بخمسة قروش. من الواضح أن الناشر كان مولعاً بالحكايات الشعبية ولذلك أسَّس مجلة "الروايات الأسبوعية"، وكان حريصاً عند نشر مذكرات الفتوة أن يشير في صفحاتها الأخيرة إلى "مذكرات نشال" مع فقرة تشويقية: "إذا أردت أن تعلم ما تم لعبد العزيز النص من حوادث شيقة ومواقف مضحكة، فما عليك إلا أن ترسل عدد ستة طوابع بوستة من فئة الخمسة مليمات". أي أن نشر مذكرات النشال كاملة يتوقف على على عدد الاشتراكات عبر نظام الدفع المسبق. وبالنظر إلى استهلال "مذكرات فتوة": "حكى المعلم يوسف أبو حجاج تاريخ حياته"؛ فهذا يعني أنه الراوي وليس المؤلف الحقيقي. كما يشير حرص الناشر على أن يختم كتبه بإعلانات عن مذكرات وسير لشخصيات قادمة، إلى أن الأمر كله مزيج من التخييل والترفيه والحس التجاري الشعبي.
ففي نهاية الكتاب هناك أكثر من إعلان عن روايات قادمة هي: "سيركوف أو ملك القرصان"، و"زحام على غرام، أو الدهاء في قصور الملوك"، مع تعريف بأنها رواية تاريخية غرامية وقعت أحداثها زمن هارون الرشيد، و"فاطمة، أو الفتاة المعذبة".
مذكرات عربجي
لم يكن حسني يوسف الوحيد المولع بالروايات والسير الشعبية، فهناك كتاب آخر شهير بعنوان "مذكرات عربجي" تأليف سليمان بك نجيب الممثل القدير ورئيس دار الأوبرا المصرية. وأيضاً تتكرر الفكرة المزدوجة التي تخلط بين الراوي والمؤلف، فسليمان نجيب في إهدائه إلى فكري أباظة يقول:
محسوبك كاتب هذا ـ الأسطي حنفي أبو محمود ـ من كان له الشرف أن يقلك في عربته مراراً"، ويوقع الإهداء بالاسمين معاً: حنفي أبو محمود، سليمان نجيب"؛ ما يشير إلى أن الأول قناع للثاني.
وينقسم الكتاب إلى عناوين فرعية مثل: المذكرة الأولى، المذكرة الثانية، المذكرة الثالثة"، مع تذييل كل مذكرة بتوقيع: حنفي أبو محمود، حنفي، الأسطى حنفي. وهنا ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن سليمان نجيب لم يتورط في العامية الدارجة كما فعل حسني يوسف، بل استعمل فصحى مقبولة مع تطعيمها بمفردات عامية حيث نقرأ: "وفي أثناء الحديث يا حضرة القارئ تمر عليّ ألفاظ جديدة في اللغة، فأسمعها تقول "حبوب" و"توتو" وهو يقول "قطقوطة" ولا أفهم لها معنى، ولكني علمت أن لكل مقام مقال".
بغض النظر عن حقيقة وجود النشال والفتوة والعربجي، وواقعية الحكايات المذكورة على ألسنتهم، فإننا إزاء نصوص معبرة عن الهامش ابتداء من اللغة المستعملة، وطبيعة الحكايات والخلاصات. كما تعبر أيضاً عن عصرها وما تميز به من عادات وتقاليد وقيم أخلاقية.
نحن على المستويين الأدبي والاجتماعي، إزاء نصوص تقدم أدباً شعبياً مضاداً للأدب الرسمي، لغة وتصورات وأخيلة، وتعرض تاريخاً اجتماعياً مسكوتاً عنه، ويتضاد مع التاريخ الرسمي، بانحيازه لكل ما هو شعبي. والمؤكد أن تلك النوعية من الروايات لم تكن سيراً حقيقية بالمعنى الدقيق، وإنما هي قصص مختلقة تمنح ألسنة لمهمشين لا صوت لهم، وترينا المجتمع المصري من أسفل، عبر زوايا غير مرئية.

الفرنسية لوا بوسون تعلن انسحابها من أستراليا المفتوحة للتنس
13-كانون الثاني-2026
أميركا والتعامل مع الإرهاب في ضوء أحداث حلب
13-كانون الثاني-2026
الأدب الشعبي السفلي كما تجلى في «مذكرات نشال»
13-كانون الثاني-2026
باميلا أندرسون تذهل الجميع في فيلم «فتاة الاستعراض الأخيرة»
13-كانون الثاني-2026
الصين تستنسخ أغلى آلة في العالم.. هل سيغمض جفن واشنطن؟
13-كانون الثاني-2026
هجرة صادمة.. 250 ألف شخص يرحلون عن دولة أوروبية في 12 شهراً فقط!
13-كانون الثاني-2026
أسباب كثيرة تشعرك بالجوع في الشتاء..هكذا تتفاداها
13-كانون الثاني-2026
العوضي يكشف كواليس وتحديات «علي كلاي» مفاجأة رمضان القادم
13-كانون الثاني-2026
نقيب الفنانين: المشاركة بمهرجان القاهرة تعكس تطور المسرح العراقي
13-كانون الثاني-2026
حكاية شباب حولوا الديكور إلى فن
13-كانون الثاني-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech