شيروان الشميراني
في هذا المقال لا أرمي الى الحديث المعرفي عن الإرهاب، لأنه لم تتفق مراكز البحوث على تعريفه، ولا عن المعاني أو المعايير التي تحملها هذه المفردة وتقاس بها، وإنما عن الإرهابيين وكيف تتعامل معهم الولايات المتحدة الأميركية على المطلق دون تحديد، وكيف ان الإرهابيين يتحولون الى جزء من الرؤية الأميركية في ممارسة السياسة والبحث عن المصالح القومية، ما دفعني للكتابة هو الأحداث السورية وفي الحيَّيَن الكورديين في حلب، وما قبلها خلال السنة الماضية.
في السياسة الأميركية، إن وزارة الخارجية هي المعنية بإدراج شخص أو مجموعة في لائحة الإرهاب، بناء على بحث ومواصفات، وهي المعنية برفعها عن القائمة وإزالتها عنها، ويوجد شرطان لذلك، وهما:
1- التأكد بأن هذه المجموعة أو ذلك الشخص لم يعد شكل الخطورة على مصالح الولايات المتحدة الأميركية.
2- أو أن ترى الوزارة أن من مصلحة الولايات المتحدة رفع هذا الشخص أو تلك المجموعة من قائمة الإرهابيين. وبناء على هذين الشرطين، تعاملت الولايات المتحدة مع أحمد الشرع الرئيس السوري الحالي، حيث كان مدرجاً على اللائحة مع هدية 10 ملايين دولار لمن يأتي برأسه أو معلومة توصل إليه، لكن لما تغير الحال وتغيرت المصالح تبعاً له، تعاملت واشنطن معه حتى قبل رفعه عن القائمة، أي أنه كان مدرجاً والعرض المالي كان قائماً لكن "باربارا ليف" وكيلة وزير الخارجية جاءت الى دمشق والتقت به، وفقاً للمعتاد وبما ان البحث الأميركي كان جارياً للقضاء عليه كان عليها اعتقالها، لكنه لم يحدث، بل بدأت الخطوة الأولى لنسج علاقات متميزة معه. وقبل ذلك كان الرجل يدير إدلب تحت العين التركي والأميركي والعربي، تلك العيون التي تبحث عن الإرهابيين لم ترَ ذلك الرجل، بل سمح له بإدارة مقاطعة كاملة وهو معروف حينئذ بأبي محمد الجولاني. ثم رفعت واشنطن الحظر عليه وعلى جماعته هيئة تحرير الشام التي كانت محسوبة كفصيل إرهابي حسب قرارات الأمم المتحدة، جماعته التي بينها العديد ممن هم مدرجون ضمن الإرهابيين.
وفي حلب، كانت ثلاث فرق خاضت الحرب ضد بضع مئات من المسلحين بأسلحة خفيفة، قائد اثنتين منها هما كانا معاقبان ومن تنظيمات القاعدة، في الطرف الآخر هناك قوات سوريا الدمقراطية "قسد"، هذه القوات من بدايات تشكلها كانت تحت عين الولايات المتحدة، دربت عناصرها، وخصصت لها موازنة سنوية، مع تزويدها بالأسلحة الضرورية، خاضت أفراد قوات قسد مع التحالف الدولي جولات دامت لسنين ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ومازالت هي العنصر المحلي البارز في التحالف الدولي ضد الإرهاب.
في المقابل فإن المكونات الرئيسة لما يسمى الجيش العربي السوري هي بقايا داعش المتطورة وجبهة النصرة وجيش النظام السابق، بين قسد وبين هؤلاء جولات من الحروب، بينهما قتلى وأسرى قبل سقوط النظام البعثي المجرم، في معركة حلب الذي حدث هو أن الولايات المتحدة الأميركية وقفت الى جانب بقايا داعش المتطورة والتي في صفوفها مطلوبون الى العدالة الأميركية وحتى التركية وبقيت متفرجة يقتلون حلفاءهم في محاربة الإرهاب!، ليس أنها لم تدافع عنهم وسكتت عن قتلهم فحسب، وإنما ذهبت بعيداً بإعطاء الضوء الأخضر في فتح النار عليهم، هنا غابت صفة الإرهابي، الإرهابي المطلوب وقف أمام عين الأميركيين يشن حرباً على حلفاءهم.
هذه الوقائع تدل على أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الإرهاب حتى بتعريفها هي للإرهاب ولا من تراهم إرهابيين، وإنما بناء على المصلحة السياسية، فمن يهدد الأمن القومي الأميركي في فترة ما، أو تصفه واشنطن أنه إرهابي، قد يتحول إلى حرّ طليق في ممارسة الإرهاب إذا دار به الزمن الى الصف الأميركي، أي أن الحديث الدائر الآن بأن القوات المهاجمة على "شيخ مقصود والأشرفية" إرهابيين وأن ممارساتهم هي ذات ممارسات داعش، إن كل هذه الأحاديث لا تفيد بشيء، هي رومانسيات ثقافية، أو غفلة عن حقيقة ممارسة السياسة والتغيرات الديناميكية التي تطرأ على العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية، الدول تتعامل مع مصالحها، والقوى التي تأتي لها بهذه المصالح، والقوة لن تبقى عند طرف معين على طول الخط، تميل من هنا إلى هناك، لهذا تأتي التحالفات أحياناً رغماً عن القائمين عليها. وهذا يعني أن الحديث الموجه الى المجتمع الدولي مع انه ضروري، لكنه دالٌّ على نوع من السذاجة السياسية، وأن الإعتماد على المفهوم والموقف الدولي من الإرهاب أثبتت معركة حلب على انه خطأ قاتل. وعليه أن "قسد" وقائدها مظلوم عبدي عليه إعادة تشكيل سياساته حسب المعطيات الجديدة التي دفعت بها حلب، أن لا إعتماد على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الغائب ولا على القيم العالمية التي يقولون إنها تحكم العالم، لأن الوضع القائم مرهون بالتغيرات في الرؤى المصلحية، وعليها تميل التحالفات وتتغير اتجاهاتها. فالواجب هو حيازة ما يمكن حيازته في ظل الوضع الراهن الذي تقول المؤشرات إنه يتجه الى السيء. بكلمة أخرى أن تغيير القواعد التي سمحت لشن الحرب على حلب، ستستمر في التغير وتصل إلى مستوى ومدى تسمح بشن الحرب على قامشلو، وكوباني من جديد، ولن يسعف ترديد أن هؤلاء من داعش ويتصفون بصفاتها، بل إن رُدِدَت هذه الشعارات بعد واقعة حلب، لهي سذاجة سياسية.