رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 20 ايلول( سبتمبر ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2514

الأهوار العراقية: قصة آخر حضارة سومرية

الخميس - 30 تموز( يوليو ) 2020

بغداد ـ العالم
تعود الملحمة الأولى في التاريخ البشري إلى عصر سلالة أور الثالثة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، حين قام الملك جلجامش برحلة مصطحباً معه صديقه أنكيدو البشري الشجاع وهو من أهالي مملكة سومر.
وتصف الرواية الأولى قصة عوالم "ميزوبوتوميا" أو بلاد ما بين النهرين التي ترجمها الآثاري العراقي طه باقر عن السومرية، حيث كتبت عن الإنسان البدائي الذي حاول قهره الموت، وأراد معرفة سر الخلود على مشارف أربعة ممالك على حافة الأهوار هي أور وسومر وأريدو والوركاء أول السلالات السومرية التي استمرت بثلاث مراحل شغلت الحقبة الأطول في تاريخ العراق ما بين (3500-1600) قبل الميلاد.
حين كانت سومر تتألف من دويلات تتمتع باستقلال ذاتي ولها حاكمها وآلهتها الخاصة هناك، استمدت حضارة وادي الرافدين من المياه سر وجودها، وديمومتها ومن بساطة وبدائية الحياة التي اعتاشت على الأهوار، وهي مجموعة من المسطحات المائية التي تغطي الأرض المنخفضة جنوب السهل الرسوبي لبلاد ما بين النهرين، على شكل كمثرى، أطلق عليها العرب الأوائل اسم "البطائح"، جمع بطيحة، لأن المياه تبطحت فيها، أي سالت واتسعت في الأرض وكان ينبت فيها القصب.
تتميز بيئة الأهوار بالتنوع البيئي والإحيائي حيث تحتضن 371 كائناً حياً، على حد تأكيد علماء البيئة، وتتوزع على ثلاثة أهوار رئيسة هي: الحويزة والحمّار وأنوار الفرات، يسكنها عرب الأهوار، وعمرها يصل إلى أربعة آلاف سنة.
وترجح الباحثة الفرنسية المستشرقة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى جيرالدين شاتلار أن "خريطة الأهوار كانت مختلفة عما هي عليه الآن، فقبل ستة آلاف سنة كانت بحدود أوسع بكثير حتى استقرت قبل ألفي عام، وشهدت نشوء حضارات عظيمة في الوركاء وأور، في تفرد لافت بين الماء والصحراء في مكان واحد".
ولطيور الأهوار قصص وتاريخ كونها تأتي في الشتاء من مجاهل المناطق الباردة نحو دفء فوق مسطحاتها، لتلقي ببيضها في أعشاشها قاطعة آلاف الكيلومترات في رحلة أزلية منذ بواكير الحضارة نحو الأهوار لتستمر دورة الحياة، طالبة الدفء والطعام والمزاوجة والحماية، لكنها عاشت أسوأ ما كانت تتوقعه حين حلت حرب الثمانينات بين العراق وإيران واتخذ قرار تجفيف الأهوار، ما جعلها تنتحر حين تصل إلى المياه الدافئة ولم تلق أعشاشها أو البيئة التي تعودت الاحتماء فيها، فقد روى لنا بعض سكان الأهوار قصصاً لا تصدق عن حزن الطيور التي قطعت مسافات مهولة حيث الأهوار لتكتشف بأنها تبخرت وصارت أرض يباب؟
كانت مهمة إعادة الحياة إلى الأهوار مرة أخرى، شبه مستحيلة. فبعد أحداث 2003، شرعت القوى المدافعة عن البيئة في العراق والعالم، إلى اعتبار إعادة الأهوار مهمة وطنية وإنسانية عالمية.
فقد أعلنت وزارة خاصة بالأهوار، وشرعت ببرنامج لإزالة السواتر الترابية التي حالت دون وصول المياه إليها، وبذل الخبراء والفنيون العراقيون جهوداً مضنية حتى ظهرت النباتات مجدداً، في ظل دعوات إلى مواجهة تبذير مياه الأهوار ومواجهة التحديات المتمثلة بنوعية وكمية المياه ومعالجة قضية التجاوز على حصص أهوار أعالي الفرات المائية للحفاظ على المستوطنات البشرية المعتمدة على الأهوار.
في المقابل، منح قرار منظمة اليونسكو القاضي بوضع أربعة أهوار ضمن لائحة التراث العالمي، غطاءً دولياً إيجابياً لمناصري البيئة باعتبارها محمية دولية ضمن مواقع وكنوز الحضارات الأولى على الأرض.
كذلك اعتبرت آثار ثلاث مدن على أطراف الأهوار هي أور وأريدو والوركاء، ضمن لائحة التراث العالمي وعدّ  ذلك نصراً دولياً، لتحسين هذه المواقع وحمايتها من الإرهاب والتخريب لها من أي جهة كانت، بعد أن صوتت أكثر من 70 دولة مساندة لذلك القرار، وضمان حصة مائية ثابته للأهوار تعيد إليها الحياة وألقها الذي تلاشى عقدين من الزمن.
تستعيد الأهوار اليوم الحياة فيها، لكنها محاصرة بالسدود التي بنتها تركيا على نهر الفرات وقيام إيران بتحويل مجرى نهر الكارون الذي كان رافداً طبيعياً مهماً لتغذية بيئة الأهوار مما يجعل العراق وأنهاره وأهواره يتبع سياسة مائية مقتصده وحكيمة، وإلا فإن زمن الوفرة والفيضان صار من عوالم الماضي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي