بغداد – العالم
يشهد العراق في العام 2025 تحدياً مالياً جديداً يتمثل في تراجع الإيرادات النفطية وغير النفطية، الأمر الذي يضع موازنة الدولة تحت ضغوط متزايدة. وبحسب خبراء ومسؤولين، فإن استمرار هذا التراجع قد يجبر الحكومة على اللجوء إلى الاقتراض الداخلي، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية من تأثيرات مباشرة على الرواتب والإنفاق العام.
كشف الخبير في الشؤون الاقتصادية حيدر الشيخ، أن "هناك مؤشرات سلبية في تعظيم الإيرادات النفطية وغير النفطية للعام 2025 مقارنة بالعام الماضي 2024، الذي سجّل 140 تريليون دينار، منها 127 تريليون من النفط و13 تريليون من الإيرادات غير النفطية".
وأضاف أن "إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية في النصف الأول من 2025 انخفض بنسبة 6% لأسباب عديدة، أبرزها انخفاض أسعار النفط العالمية"، مبيناً أن "الإيرادات النفطية بلغت 56.7 تريليون دينار، بينما لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية 6.2 تريليون دينار، وهو تراجع بنسبة 13% عن العام الماضي".
من جهته، أقرّ المتحدث باسم وزارة المالية مثنى العزاوي بوجود ضغوط على النفقات العامة، قائلاً: "إن التراجع في الإيرادات النفطية وغير النفطية يفرض على الوزارة خيارات صعبة لإدارة الموازنة".
وأوضح العزاوي أن "الوزارة تعمل على إعادة هيكلة بعض بنود الصرف، مع دراسة بدائل لتعظيم الإيرادات، خصوصاً في ملفي الضرائب والرسوم الجمركية"، مضيفاً أن "الهدف هو تقليل الاعتماد على النفط وتعويض النقص من الموارد الداخلية، دون المساس بالرواتب الأساسية أو التزامات الدولة تجاه الشرائح الهشة".
في السياق ذاته، دعا عضو اللجنة المالية النيابية محمد الخفاجي الحكومة إلى وضع خطط جادة لتعزيز الإيرادات غير النفطية. وقال الخفاجي في حديثه لـ"الجبال": "لا يمكن أن تستمر الموازنة العراقية مرهونة بأسعار النفط وتقلباته، وقد آن الأوان لإصلاح النظام الضريبي وتفعيل القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والسياحة".
وأضاف ان "البرلمان مستعد لدعم أي خطوات إصلاحية، لكننا في الوقت نفسه نرفض تحميل المواطنين أعباءً إضافية عبر فرض ضرائب جديدة أو تقليص الرواتب، لأن هذا الخيار سيضر بالاستقرار الاجتماعي".
الخبير الاقتصادي حيدر الشيخ حذّر من أن استمرار الوضع الحالي قد ينعكس بشكل مباشر على استقرار المالية العامة، مشيراً إلى أن "استمرار الانخفاض في الإيرادات مع ارتفاع النفقات التشغيلية والاستثمارية سيدفع الحكومة إلى الاقتراض الداخلي، وهو ما قد يؤثر على السيولة المالية اللازمة لصرف رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكة الحماية الاجتماعية في نهاية العام الجاري".
وأكد الشيخ أن "المشكلة لا تكمن فقط في تقلب أسعار النفط، وإنما في غياب رؤية اقتصادية متكاملة تعالج ضعف الإدارة المالية وتواجه الفساد والتهرب الضريبي، وهي عوامل تحرم الدولة من مليارات الدنانير سنوياً".
بدوره، حاول مسؤول في البنك المركزي طمأنة الشارع بشأن قدرة الدولة على مواجهة الأزمة، قائلاً: "الاحتياطي النقدي للعراق ما يزال في حدود آمنة، وهو يغطي أكثر من سبعة أشهر من الاستيراد، وهذا يمنح الحكومة مجالاً للمناورة".
لكنه أضاف في الوقت نفسه: "اللجوء المستمر إلى الاقتراض الداخلي قد يؤدي إلى إرباك السياسة النقدية، خصوصاً إذا لم يترافق مع إصلاحات اقتصادية حقيقية تقلل من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات".
وتبلغ تقديرات موازنة العراق لعام 2025 أكثر من 200 تريليون دينار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الموازنات العراقية، يعكس تضخماً في حجم الإنفاق الحكومي. ويرى خبراء أن هذه الموازنة العملاقة ستبقى عرضة للاهتزاز في حال لم تحقق أسعار النفط العالمية ارتفاعاً ملموساً، أو إذا لم تنجح الحكومة في توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية.
ويشير الخبير الاقتصادي علي العبيدي إلى أن "العجز المالي قد يتسع بشكل أكبر مما هو مخطط له في الموازنة، وهو ما سيجعل الحكومة مضطرة لتقليص مشاريع الإعمار والخدمات، وربما تأجيل بعضها، في ظل الأولوية المطلقة للرواتب والنفقات التشغيلية".
ويرى المراقبون أن معالجة الأزمة الحالية تتطلب حزمة إصلاحات عاجلة تشمل: إصلاح النظام الضريبي والجمركي بما يضمن عدالة التحصيل وزيادة الإيرادات. ومكافحة الفساد المالي والإداري الذي يلتهم موارد ضخمة من الدولة، الى جانب تنشيط القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، السياحة) لتقليل الاعتماد على النفط. وتقليل النفقات التشغيلية غير الضرورية، وتوجيه الأموال إلى مشاريع استثمارية ذات جدوى اقتصادية. فضلا عن إدارة رشيدة للموارد النفطية مع خطط طوارئ لمواجهة تقلبات السوق.