بغداد - العالم
في العدد 141 من صحيفة البلاد والمؤرخ في 25 نيسان 1930 نشرت الصحيفة، سلسلة مقالات للكاتب الساخر حبزبوز، أنقل لكم أحد هذه المقالات الساخرة الناقدة لعادات في المجتمع العراقي:
من أكبر بلايا هذه البلاد خاصة وبلاد الشرق عامة، أن يتداخل الإنسان في كل ما لا يعنيه..
أجلس إلى قصاب وتناول بحثًا عن الأدب الأوربي، وسرعان ما تجد أن حضرة الأخ القصاب يخوض عباب البحث ويتكلم الساعات الطوال عن شكسبير وتأثيره في الأدب الإنجليزي وعن فيكتور هوغو وموقفه في الأدب الافرنسي وعن الانقلاب الذي أحدثه الشاعر الألماني غوته في الأدب الألماني.. الخ.
ادخل إلى حانة من حانات الخمر واجلس إلى جانب "الميخانه جي" وفي أثناء التحدث هنا وهناك أعطه "رأس شليلة" عن التربية، يشبع لك البحث تمحيصًا ويكلمك الساعات الطوال عن حياة بستالوزي ويتكلم بتفصيلات كافية وافية عن طريقة مونتسوري في تنمية الحواس عند الأطفال، ثم يرجع بك إلى الاستانة فيتكلم عن المربي الكبير وعن حديثة أطفاله التي أنشأها باسم "جوجوق يوواسي" ويرجع إلى العراق فينتقد دور التعليم والتربية فيها انتقادًا مرًا.. الخ.
ادخل إلى دكان كبابجي وتكلم مع الأوسطة عن تاريخ الحرب فسرعان ما يشمر عن ساعده ويتكلم "برهاوة" عن هجوم هانيبال على روما وينتقد حصار القسطنطينية من قبل فاتح سلطان محمد، ثم يرجع إلى نابليون ويشرح الخطأ في سفره إلى موسكو ويبين الأسباب الحربية الدقيقة في هزيمة واترلو، ويتكلم بشرح وافر عن حرب البلقان ويرجع إلى الحرب العظمى ينتقد خطة المارشال هيندنبورغ في هجومه على مستنقعات مازوريا في بروسية الشرقية.
وكذلك هو يرى أن حركات الجيش العثماني على قناة السويس كانت جنونًا. أما تضييق الدردنيل من قبل جيوش الحلفاء وترك جيوش ماكنزن تنحدر على سلانيك ومقدونية سخافة.. الخ.
فلو ترك الكبابجي هذا العناء وحصر جهده في تحسين الكباب والتفنن بأنواعه لما ملأ الشارع العام بالكبابجية الدخلاء من كل فج عميق، وصاحبنا الكبابجي البغدادي لا يزال يعمل لنا الكباب الذي تغدى به أبونا آدم وتعشى به أبونا نوح ولا يزال الصانع "الأشرح" يهفي الدخان ويدق الأجراس المعلقة بين آونة واخرى وهو يدعو المارة بصراخه:
- ياب.. بيرم.. بيرم "كلمة تركية بمعنى تفضل"..
***
جاء الصيف وأردت أن أعمل بدلة صيفية من القماش الوطني فأخذت القماش وذهبت به إلى أحد الخياطين الوطنيين، فأخذ قدري أولًا وهو يسألني عن الوزارة الجديدة وحل المجلس والإنتخابات والمفاوضات.. كل ذلك وأنا ساكت لم أجاوبه بكلمة واحدة، وبعدها جلست على الكرسي وآخذ القماش وبدأ تفصيله على المنضدة فما كاد أن يقص منه شيئًا قليلًا حتى رمى المقص وهو يقول: أوف.. أوف! عفية بلاد ما تحوين رجال مخلصين؟؟
- شوف شغلك عيني! لا تروح تغلط بالتفصيل!
فأخذ المقص ثانية وبدأ يفصل ولكن ما مرت عليه بضع ثوات حتى رمى المقص بشدة أكثر من الأولى على المنضدة وولع سكارته وهو يقول:
- مولاي! تضحية وإلا أبدًا ما نشوف الاستقلال التام!
فنهضت من مكاني وأخذت القماش تحت ابطي وأنا أقول:
- أغاتي! متجيب القاط ليروح يعدم! آني جلي على خياط لو جاي على سعد زغلول؟!
فخرجت بسرعة البرق وأعطيت القماش - مع كل أسف – إلى خياط أرمني فكلمني هذا بضع دقائق ولكن عن أي شيء؟ عن المودة الأخيرة لسنة 1930 وقررت وإياه الشكل المطلوب فأكمل لي البدلة في الوقت الموعود بالضبط.
طال شعر ذقني وشعر رأسي وكدت اصبح من إبن عمي الاستاذ المحبوب فقصدت حلاقًا وطنيًا – آخ من حب الوطن! جاب كل البلاء على رأسي – فجلست على الكرسي وخنقني الحلاق الوطني بفوطته وأخذ المشط والمقص وبدأ بتمشيط شعري وقصه وبادرني بقوله:
- يابه شكو حوادث اليوم بالجريدة؟
- الله يرحم والديك! خلص ابساع تره عندي شغل مستعجل!
- إي.. تدلل! تعال ولك جيب المكينة مرة ثلاثة!
وهكذا أخذ يشتغل حتى قص شعر الصدغين وأخذ يقص شعر القفا فلم يطق السكوت الممل بل قال لي:
- تره ابديني! أبو صباح يستاهل رياسة الوزارة! تمام بك؟
- على راسي! شاب، فعال، مخلص!
- الله يرحم والديك! والمفاوضات وين وصلت؟
فما كان مني إلا أن أنفض الفوطة من صدري وألبس جاكيتي بسرعة وأنهي سدارتي من العلاقة وأخرج من الدكان راكضًا وأنا أقول:
- هسه آني جاي يم حلاق لو يم مصطفى النحاس!
وأمثال هذه الوقائع كثيرة، يشاهدها كل منكم في كل يوم، واللسان العامي البغدادي يطلق على أمثال هؤلاء "مصخم ابن عم صانعهم" هذه هي بلية البلاد خاصة وبلية الشرق قاطبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون..