بغداد _ العالم
في تطور سياسي مفاجئ أعاد رسم ملامح المشهد العراقي، برز اسم علي الزيدي كمرشح توافقي لرئاسة الوزراء، بعد أن كان بعيداً عن التداول العلني داخل الأوساط السياسية والإعلامية. هذا التحول السريع من “مرشح ظل” إلى الشخصية الأبرز في سباق تشكيل الحكومة، يعكس طبيعة التوازنات الدقيقة التي تحكم العملية السياسية في العراق، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، لتنتج تسويات غالباً ما تكون مفاجئة حتى لأطرافها.
في ليلة 27 نيسان 2026، انتشر اسم الزيدي بشكل واسع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في خطوة وصفت بأنها “صدمة سياسية” حتى داخل بعض مكونات الإطار التنسيقي، الذي أعلن تبنيه رسمياً كمرشح لرئاسة الحكومة. ووفقاً لمصادر سياسية، فإن عدداً من قادة الإطار لم يكونوا على دراية مسبقة بترشيحه، إذ جرى إبلاغهم بالقرار عبر اتصالات هاتفية قبيل الإعلان الرسمي، ما يعكس حجم التعقيد الذي رافق عملية الاختيار. الزيدي، وهو رجل أعمال ومقاول في مشاريع حكومية، لم يكن اسماً تقليدياً ضمن قائمة المرشحين السياسيين، الأمر الذي جعله خياراً مناسباً للخروج من حالة الانسداد السياسي التي شهدها العراق خلال الفترة الماضية. وبحسب معطيات متقاطعة، فإن اسمه كان مطروحاً لدى مجموعة محدودة من قادة الإطار، الذين فضلوا إبقاءه بعيداً عن التداول الإعلامي لتجنب “حرقه” سياسياً قبل نضوج التوافق عليه.
وجاء اختيار الزيدي في سياق ضغوط دولية، لاسيما من جانب الولايات المتحدة، التي أرسلت إشارات واضحة برفضها التعامل مع أي مرشح يرتبط بفصائل مسلحة خارج إطار الدولة. هذه الرسالة، التي نوقشت داخل أروقة الإطار قبل أيام من الحسم، دفعت باتجاه البحث عن شخصية “مدنية” لا تحمل ارتباطات عسكرية أو سياسية تقليدية، وهو ما انطبق على الزيدي.
وفي هذا السياق، لعبت شخصيات بارزة دوراً محورياً في بلورة التوافق، من بينها نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، اللذان عقدا اجتماعاً مهماً في بغداد أسفر عن اتفاق أولي على ترشيح الزيدي، قبل عرضه على بقية قادة الإطار. وتشير المعلومات إلى أن ثمانية من أصل اثني عشر قائداً داخل التحالف أيدوا الترشيح، فيما اختار أربعة آخرون موقف “التحفظ” دون معارضة، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على وحدة التحالف. ورغم هذا التوافق، فإن الطريق أمام الزيدي لا يبدو مفروشاً بالورود. فقد بدأت بعض القوى السياسية بطرح شروطها لدعم الحكومة المقبلة، حيث دعا ائتلاف دولة القانون إلى مراجعة وإلغاء عدد من القرارات التي اتخذتها حكومة محمد شياع السوداني، واعتبرها “خاطئة”، في إشارة إلى بداية مبكرة لصراع السياسات داخل البيت السياسي الواحد. كما يعوّل داعمو الزيدي على خبرته الاقتصادية، خاصة في ظل التحديات المالية التي يواجهها العراق، حيث يرى مؤيدوه أنه قادر على إدارة الملف الاقتصادي وتحقيق إصلاحات ملموسة. إلا أن هذه الصورة لا تخلو من الجدل، إذ تشير تقارير إلى ارتباط اسمه ببعض الملفات المثيرة للجدل، من بينها عقوبات طالت مؤسسات مالية مرتبطة به، فضلاً عن اتهامات تتعلق بممارسات انتخابية غير قانونية، وهو ما قد يشكل تحدياً أمام بناء ثقة داخلية وخارجية بحكومته المرتقبة.
في المقابل، يسعى الإطار التنسيقي إلى تقديم الزيدي بوصفه خياراً توافقياً قادراً على تجاوز الانقسامات، خاصة بعد تنازل شخصيات بارزة عن الترشح لصالحه، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على رغبة جدية في إنهاء حالة الجمود السياسي. كما يُنتظر أن يشهد الأسبوع الجاري انطلاق مشاورات مكثفة لتشكيل الكابينة الوزارية، وسط حديث عن حكومة “قوية” قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
يمثل صعود علي الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي لحظة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، تعكس طبيعة التحولات داخل الطبقة السياسية، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحكم في البلاد. وبين آمال الإصلاح ومخاوف التكرار، تبقى المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الرجل على تحويل التوافق السياسي إلى إنجاز حكومي ملموس، يعيد ثقة الشارع ويضع البلاد على مسار أكثر استقراراً.