بغداد _ العالم
في وقتٍ تعلن فيه الحكومة العراقية عن مؤشرات إيجابية بانخفاض معدلات البطالة، تبرز على الجانب الآخر تحديات متسارعة تواجه سوق العمل، خصوصاً في القطاع الخاص الذي شهد في الآونة الأخيرة تسريح أعداد من العاملين نتيجة تداعيات الأوضاع الإقليمية وأزمات الطاقة. وبين التفاؤل الرسمي والواقع الميداني، يقف الاقتصاد العراقي أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحقيق توازن مستدام في ملف التشغيل.
وأكد المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أن انخفاض البطالة يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع الإنفاق الحكومي المدعوم بزيادة الإيرادات النفطية، ما أتاح توسيع المشاريع الاستثمارية والخدمية، وأسهم في خلق فرص عمل جديدة. كما أشار إلى أن التعيينات الحكومية، خاصة لحملة الشهادات العليا والأوائل، لعبت دوراً مهماً في امتصاص جزء من البطالة خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر مبادرات التمويل الحكومية شجع فئة الشباب على الدخول إلى سوق العمل من خلال مشاريع خاصة، لاسيما في قطاعات التجارة والخدمات. كما ساهم التحول الرقمي في خلق فرص جديدة، من خلال انتشار منصات العمل الإلكتروني والتوسع في خدمات التوصيل والتسوق عبر الإنترنت، وهي قطاعات شهدت نمواً ملحوظاً في الفترة الأخيرة.
وفي سياق متصل، أكد الهنداوي أن الاستقرار الأمني كان عاملاً حاسماً في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، ما أتاح للقطاع الخاص أن يبدأ باستعادة دوره تدريجياً، خصوصاً في مجالات البناء والاتصالات. وأوضح أن الحكومة تعمل على تعزيز هذا الدور من خلال دعم بيئة الاستثمار وتشكيل مجالس متخصصة لتطوير القطاع الخاص، فضلاً عن التنسيق مع المؤسسات التعليمية لمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من تعقيدات. فقد شهد القطاع الخاص مؤخراً موجة من تسريح العمال في بعض الأنشطة، نتيجة تداعيات الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها التوترات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، والذي انعكس بشكل مباشر على حركة التجارة وإمدادات الطاقة. كما أن أزمة الغاز التي أثرت على تشغيل عدد من المشاريع الصناعية والخدمية، دفعت بعض الشركات إلى تقليص نشاطها، ما أدى إلى فقدان وظائف في قطاعات حساسة.
ويرى مختصون أن هذه التحديات تكشف هشاشة الاعتماد على العوامل الظرفية في خفض البطالة، مثل التوسع في الإنفاق الحكومي، مقابل الحاجة إلى إصلاحات هيكلية أعمق تضمن استدامة فرص العمل. فالقطاع الخاص، رغم بوادر تعافيه، لا يزال عرضة للتقلبات الاقتصادية والإقليمية، ما يتطلب سياسات داعمة أكثر استقراراً، تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
يبدو أن العراق يقف عند مفترق طرق اقتصادي، حيث تتقاطع مؤشرات التحسن مع تحديات الواقع. وبينما تسعى الحكومة إلى ترسيخ انخفاض البطالة، يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بقدرة الاقتصاد على الصمود أمام الأزمات، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً حقيقياً ومستداماً في خلق فرص العمل.