من ديمقراطية الشكل الى أزمة الدولة والمواطنة الانحراف الديمقراطي في العراق - الحلقة الثالثة -
18-كانون الأول-2025

محمد عبد الجبار الشبوط
الفصل الرابع

الانتخابات العراقية — الشكل الديمقراطي بلا مضمون
تُعدّ الانتخابات في النظم الديمقراطية الآلية المركزية لممارسة الإرادة الشعبية، فهي الأداة التي يُعاد من خلالها توزيع السلطة بصورة سلمية، وتُجدد فيها الشرعية السياسية، وتكتسب المؤسسات الدستورية من خلالها حقّها في اتخاذ القرار باسم الشعب. غير أنّ الانتخابات في العراق بعد 2003 لم تتحول إلى هذه الوظيفة الجوهرية، بل أصبحت عملية شكلية تحمل مظاهر الديمقراطية من الخارج، بينما تفتقر في مضمونها إلى مقومات التمثيل الحقيقي المسؤول، ما جعلها إحدى أبرز بوابات الانحراف الديمقراطي.
بدأت المشكلة في السنوات الأولى حين فُرضت على العراق انتخابات مبكرة قبل اكتمال بناء الدولة، وفي ظل غياب بيئة أمنية مستقرة ومؤسسات سياسية ناضجة وثقافة ديمقراطية راسخة. فانتخابات تجري تحت ضغط الفوضى الأمنية، وتحت تأثير النفوذ الخارجي، وفي ظل استpolar وطائفي حاد، لا يمكن أن تنتج تمثيلًا وطنيًا متوازنًا، بل تُسهم غالبًا في تكريس الهويات الضيقة، وهو ما حدث بالفعل حين تحوّلت الانتخابات الأولى إلى عملية فرز طائفي بدلاً من كونها اختيارًا وطنيًا لبرامج سياسية.
وتواصل الانحراف مع القوانين الانتخابية التي صيغت بشكل يتناسب مع مصالح القوى المتنفذة. فقد اتُّبع نظام القوائم المغلقة ثم نُقل إلى القوائم شبه المفتوحة ثم المفتوحة، لكن النظام ظلّ في جوهره خاضعًا لهيمنة التحالفات الكبيرة التي تمتلك القدرة على التحكم بالترشيحات وتوجيه الأصوات وإعادة إنتاج نفسها، بينما افتقرت القوى الصغيرة والمستقلون إلى القدرة على المنافسة العادلة. وتمت صياغة قوانين الدوائر الانتخابية بطريقة تُفصّل كثيرًا لصالح القوى المسيطرة، سواء بتقسيم الدوائر أو بطريقة احتساب المقاعد أو عبر التحالفات العابرة للدوائر.
ومع مرور الزمن، أصبحت الانتخابات العراقية ساحة للصراع السياسي بدل أن تكون أداة لتجديد الشرعية. فقد جرى استخدام المال السياسي على نطاق واسع، وارتبط التأثير الانتخابي بشبكات اقتصادية ترتبط بالقوى النافذة، وبوسائل إعلام تموَّل سياسيًا، وبقدرات لوجستية غير متكافئة، ما جعل المنافسة غير عادلة. كما أن وجود جماعات مسلحة مؤثرة خلق بيئة غير محايدة في بعض المناطق، إذ كانت بعض القوى تمتلك القدرة على التأثير المباشر أو غير المباشر في سلوك الناخبين وفي ضمان نتائج معينة أو منع ظهور نتائج أخرى.
كما أدى ضعف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات إلى خلل إضافي، فالمفوضية التي يفترض أن تكون مستقلة تمامًا خضعت غالبًا لهيمنة الأحزاب عبر آلية اختيار أعضائها، وهي آلية سياسية بالأساس، ما جعلها جزءًا من التوازنات السياسية بدل أن تكون مؤسسة محايدة. وقد أدى ذلك إلى أزمات متكررة حول نزاهة الانتخابات واتهامات بالتزوير وتدخلات سياسية في عمل المفوضية، ما قوّض الثقة العامة بعمليات الانتخاب، وأضعف الإيمان بأن صناديق الاقتراع تعكس فعلًا الإرادة الشعبية.
ومن مظاهر الانحراف أيضًا أنّ العملية الانتخابية أُديرت في كثير من الأحيان بطريقة تعكس مصالح القوى لا مصالح المجتمع. فالتعديلات المتكررة على القوانين، واختيار توقيتات الانتخابات، والتحكم بنتائج الدوائر عبر التحالفات بعد الانتخابات لا قبلها، كلها أمور أضعفت القدرة على بناء نظام انتخابي مستقر. وقد كانت نتائج الانتخابات كثيرًا ما تُعاد هندستها داخل الكتل السياسية بعد إعلان النتائج، عبر عمليات تفاوض تُعيد تشكيل التحالفات وفق منطق المحاصصة، لا وفق إرادة الناخبين، ما جعل صناديق الاقتراع مجرد خطوة شكلية لا يتبعها تمثيل حقيقي.
كما أن ضعف الوعي السياسي، وتوجيه الرأي العام عبر إعلام ممول سياسيًا، وانتشار الخطاب الهوياتي، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة انتخابية غير ناضجة. فالناخب العراقي لم يُمنح الوقت الكافي ولا الأدوات الثقافية ولا الفرصة العملية للتحوّل إلى ناخب برامجي، لأن النظام السياسي نفسه لم ينتج أحزابًا برامجية، بل أنتج أحزابًا هوياتية هدفها التمثيل الطائفي أو القومي أو المناطقي. وبهذا، تحولت الانتخابات إلى استفتاء على الهوية بدل أن تكون اختيارًا بين برامج تنموية.
وأسهمت آليات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات في تعزيز هذا الانحراف. فمن المفترض في النظام البرلماني أن تختار الأغلبية البرلمانية حكومة تعبّر عن نتائج الانتخابات، لكن الواقع العراقي اتجه إلى تشكيل حكومات توافقية تضمّ جميع القوى الكبيرة تقريبًا، ما ألغى مفهوم المعارضة، وأضعف مفهوم المسؤولية السياسية، وحوّل الانتخابات إلى عملية لا تنتج تغييرًا حقيقيًا في بنية السلطة. فالمعارضة التي تُعدّ عنصرًا أساسيًا في الديمقراطية البديلة عن الصراع العنيف، غابت عمليًا من المشهد العراقي.
إنّ الانتخابات العراقية، رغم تكرارها عدة مرات، لم تنجح في تجديد الطبقة السياسية، ولا في تغيير مسار الدولة، لأن بنيتها القانونية والتنظيمية والسياسية لم تسمح بحدوث تحول حقيقي. وبذلك أصبحت الانتخابات جزءًا من بنية الانحراف وليس وسيلة لتصحيح الانحراف. فهي تُجري شكليًا لإعادة إنتاج نفس القوى، بينما تبقى الإرادة الشعبية محصورة داخل توازنات سياسية تُعاد صياغتها دومًا على أساس المحاصصة لا على أساس المبدأ الديمقراطي.
لقد تحوّلت الانتخابات في العراق إلى شكل ديمقراطي بلا مضمون ديمقراطي، فهي تجري بانتظام لكنها لا تُحدث تداولًا حقيقيًا للسلطة، وتنتج مجالس نيابية وحكومات لكنها لا تُعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتفترض التعددية لكنها لا تعكس تعددية سياسية حقيقية، لأنها محكومة بتوازنات القوى لا بالمنافسة الحرة. وهكذا أصبحت الانتخابات جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.
يمهّد هذا الفصل للانتقال إلى دراسة بنية الأحزاب في الفصل الخامس، وكيف أن النظام الحزبي المشوَّه كان أحد الأسباب الجوهرية في تحويل الانتخابات من آلية للتمثيل إلى آلية لإعادة إنتاج المحاصصة، الأمر الذي رسّخ الانحراف الديمقراطي وجعل تصحيح المسار مهمة أكثر تعقيدًا.

الفصل الخامس
الأحزاب العراقية — من التنظيم المدني إلى المافيات السياسية
يُفترض في الأحزاب السياسية، في أي نظام ديمقراطي، أن تكون مؤسسات مدنية منظمة تقوم على برامج واضحة ورؤى سياسية واقتصادية واجتماعية، وتوفّر للناخبين خيارات متنوعة، وتُسهم في بناء الوعي السياسي، وتكون القناة الطبيعية للمشاركة العامة في صنع القرار. غير أن الأحزاب العراقية بعد 2003 لم تنشأ في بيئة طبيعية تسمح بتطور هذا الدور المؤسسي، بل ظهرت في سياق انهيار الدولة وتفكك المجتمع وصعود الهويات الضيقة، الأمر الذي جعلها تتحول تدريجيًا من مؤسسات سياسية إلى شبكات نفوذ ترتبط بالهويات وبمصالح جماعات معينة أكثر مما ترتبط بالمصلحة العامة.
بدأت أغلب الأحزاب العراقية نشاطها السياسي انطلاقًا من منطلقات أيديولوجية أو طائفية أو دينية أو قومية، لا من منطلق وطني جامع. وقد أسهم هذا التأسيس الهوياتي في تحويل الحزب من مؤسسة تمثل المواطنين إلى مؤسسة تمثل «مكوّنًا» أو «جماعة» أو «هوية» معينة، ما أدى إلى تشظي المجال السياسي العراقي إلى كتل هوياتية متقابلة. ومع مرور الوقت، أصبح وجود الحزب مرتبطًا بقدرته على التحكم بقطاع من المجتمع، لا بقدرته على تقديم برامج تنموية أو رؤى إصلاحية أو مقترحات سياسية حديثة.
ورغم تعدد الأحزاب ظاهريًا، فإن معظمها افتقر إلى البناء التنظيمي الداخلي الذي يُعدّ أساس العمل الحزبي في التجارب الديمقراطية. فلا انتخابات داخلية حقيقية، ولا تجديد للقيادات، ولا هياكل واضحة للمساءلة الداخلية، بل تعتمد أغلبها على زعامة فردية أو مرجعية شخصية أو سلطة دينية أو رمزية، ما يجعل الحزب أداة بيد قيادته، لا مؤسسة تمثل أعضاءه. وقد أسهم هذا النمط من التنظيم في تعطيل التطور الطبيعي للحياة الحزبية، لأنه منع ظهور قيادات شابة جديدة، وأدى إلى توريث النفوذ داخل الحزب.
ومع ضعف الدولة وتفكك المؤسسات، أصبح للحزب دور غير رسمي يتجاوز العمل السياسي إلى السيطرة على مفاصل الدولة، فكل حزب سعى إلى الحصول على وزارة أو هيئة مستقلة أو مديرية عامة، ليضمن من خلالها النفوذ والتمويل والتوظيف والسيطرة على القرار الإداري. وبذلك انتقلت الأحزاب من كونها أدوات تمثيلية إلى أدوات توزيع موارد، وأصبح الجهاز الإداري للدولة جزءًا من دائرة الصراع الحزبي، ما أدى إلى تآكل مبدأ حيادية الدولة، وهو مبدأ أساسي في أي نظام ديمقراطي.
ومع اتساع هذا النفوذ، نشأت ما يمكن تسميته بـ«الاقتصاد السياسي للأحزاب»، حيث ارتبطت بعض القوى بشبكات مالية وتجارية وامتدادات خارجية، وأصبحت تملك مصادر تمويل خاصة تضمن لها الاستمرار والمنافسة الانتخابية. وقد أدى ذلك إلى تزاوج خطير بين المال والسلطة، إذ أصبح المال السياسي أحد الأدوات الأساسية في تحديد مسار الانتخابات، وفي بناء التحالفات، وفي التأثير على الإرادة الشعبية، ما أفقد العملية السياسية شفافية المنافسة.
وكان لوجود السلاح خارج الدولة دورٌ حاسم في تشويه مفهوم العمل الحزبي. فبعض الأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة، وبعضها يرتبط بجماعات مسلحة تمتلك نفوذًا ميدانيًا، ما خلق بيئة سياسية غير متوازنة، إذ لا يمكن لأي حزب مدني أو تنظيمي منافسة أحزاب تمتلك قوة ميدانية أو موارد أمنية خاصة. وقد أدى ذلك إلى اختلال كبير في شروط المنافسة الديمقراطية، وتحول بعض الأحزاب عمليًا إلى قوى شبه عسكرية لها امتداد سياسي، وهو أمر يتعارض جذريًا مع مفهوم الحزب في الدولة الحديثة. وتكرّست هذه الانحرافات مع الوقت حين أصبحت الأحزاب جزءًا من منظومة المحاصصة، فهي تشارك في الحكومة والبرلمان وتحتفظ بمواقع النفوذ وتوزّع المناصب، بغض النظر عن نتائج الانتخابات أو مزاج الناخبين. فالأحزاب العراقية، بشكلها الحالي، ليست كيانات تتنافس على أساس برامج، بل هي تكتلات تتنافس على النفوذ والسلطة والموارد. وهذا ما جعلها تتحول تدريجيًا من مؤسسات سياسية إلى مافيات سياسية تتقاسم الدولة بدل أن تبنيها.
وانعكس هذا الواقع على طبيعة العلاقة بين الأحزاب والناخبين. ففي النظم الديمقراطية، يعتمد الحزب على ثقة الناخبين وعلى قدرته على الإقناع من خلال برنامجه السياسي، أما في العراق فقد أصبحت العلاقة بين الحزب وقاعدته علاقة زبائنية، تقوم على التوظيف والخدمات والمساعدات، لا على البرامج والرؤى. وهذا التبادل الزبائني يخلق مجتمعًا تابعًا لا مجتمعًا مشاركًا، ويُنتج مواطنًا يعتمد على الحزب في احتياجاته بدل أن يكون شريكًا في العمل السياسي.
كما أن الإعلام الحزبي لعب دورًا كبيرًا في توجيه الرأي العام، إذ تمتلك أغلب الأحزاب وسائل إعلامية خاصة، تستخدمها في ترويج خطاب هوياتي أو تبريري أو هجومي، بدل أن تسهم في تعزيز الثقافة الديمقراطية. وقد أدى ذلك إلى إنتاج وعي سياسي مشوَّه قائم على الانقسام والتعبئة لا على العقلانية والبرامج التنموية، ما ساعد على ترسيخ الانحراف الديمقراطي وتعميقه.
لقد تحولت الأحزاب العراقية في معظمها إلى أدوات للنفوذ أكثر من كونها مؤسسات سياسية، وهي تمثل أحد أبرز أسباب الانحراف الديمقراطي، لأنها أسهمت في تحويل الدولة إلى مساحة للتقاسم، وفي إضعاف مؤسساتها، وفي تشويه معنى التمثيل السياسي. فالأحزاب التي كان يُفترض أن تكون رافعة للديمقراطية أصبحت أحد أهم معوّقاتها، لأنها تفتقر إلى القيم المؤسسية، وتعمل بمنطق يغلب عليه الطابع الفئوي لا الطابع الوطني.
يمهّد هذا الفصل للانتقال إلى الفصل السادس الذي يتناول علاقة المجتمع بالديمقراطية المعاقة، وكيف أثرت بنية الأحزاب الهوياتية على الثقافة السياسية، وعلى قدرة المجتمع على إنتاج تمثيل حقيقي، وعلى استمرار حالة الانقسام التي أعاقت تطور التجربة الديمقراطية في العراق.

10 فنادق فئة خمس نجوم تدخل الخدمة نهاية العام
29-نيسان-2026
العراق في مرتبة متأخرة عالمياً بحرية الإنترنت
29-نيسان-2026
منصة رقمية حديثة تدعم سياسات التشغيل سوق العمل
29-نيسان-2026
بين الربط الكهربائي وارتفاع أسعار الطاقة عالميا تمهيد لصيف ساخن على العراقيين
29-نيسان-2026
من «مرشح الظل» إلى رئيس وزراء مكلّف كيف صعد علي الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي
29-نيسان-2026
السيول تكشف هشاشة إدارة المياه.. خسائر فادحة للمزارعين ومطالبات بتعويضات عاجلة
29-نيسان-2026
الحكومة متفائلة بانتعاش سوق العمل وأزمتا الغاز وهرمز تراكمان قرارات تسريح العاملين
29-نيسان-2026
البدراني يتفقد دار الأزياء ويؤكد دورها في حماية الهوية الحضارية
29-نيسان-2026
ريال مدريد يكشف طبيعة إصابة مبابي
29-نيسان-2026
جراحة عاجلة تهدد مشاركة مودريتش في المونديال الخامس
29-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech