د. ربيع خلف
مقدمة : يُقال إن التاريخ دائرة. وفي العراق، هذه الدائرة لا تدور عبثاً. كلما أكملت دورة، عادت إلى نفس النقطة: سؤال يُسأل عند فوهة البندقية. سؤال لا يتعلق بالجريمة ولا بالوطن ولا بالسلاح... بل بالولاء. "أنت شيعي؟ تحب علي؟" ثلاث محطات، ثلاث قرون، ثلاثة أجيال من القتلة. لكن القاتل واحد، والمنطق واحد، والدم واحد. من ضفاف النهروان 658م، إلى حرمة كربلاء 1802م، إلى رمال سبايكر 2014م. هذه ليست حوادث... هذه فصول.
*الفصل الأول: لحظة الميلاد - النهروان 658م*
في ذلك اليوم، لم تُقتل أجساد فقط، بل وُلدت فكرة. فكرة تقول: "الحق معي وحدي، ومن خالفني فدمه حلال".
الخوارج لم يقاتلوا علياً على مُلك أو مال. قاتلوه على "التأويل". قالوا له: لماذا حكّمت الرجال في دين الله؟ ومن اليوم، كل من يقول "علي إمامي" صار خصماً عقدياً، لا سياسياً. في النهروان، وقف الرجال الذين صلوا خلف علي في صفين، ليقتلوه الآن. لماذا؟ لأنهم سمعوا منه كلمة "شيعة". صارت الكلمة تهمة. وسُفك الدم الأول باسم "التطهير العقدي". هذه كانت لحظة الميلاد: تحويل الخلاف السياسي إلى حكم إعدام مذهبي.
*الربط: الفكرة تسافر عبر القرون*
الأفكار لا تموت. الفكرة التي وُلدت في النهروان لم تُدفن مع قتلى الخوارج. سافرت. سكنت الكتب، ثم سكنت الخطاب، ثم سكنت العقل. كلما ضعفت الدولة، نهضت الفكرة من قبرها. كلما احتاج أحدهم لتبرير القتل، فتح كتاب النهروان وقرأ منه: "هؤلاء شيعة علي... فاقتلوهم".
الفكرة انتقلت من سيف الصحابي إلى سيف الفقيه، ومن ساحة المعركة إلى أسوار المدينة.
*الفصل الثاني: الفكرة تصير فعل - كربلاء 1802م*
بعد 11 قرن و 44 سنة، وصلت الفكرة إلى كربلاء. لم تصل على ظهر فرس معركة، بل على ظهر عقيدة جاهزة. المدينة كانت نائمة. لا جيش فيها، لا خندق، لا استعداد. لكنها كانت مذنبة بذنب واحد: أنها "مدينة الحسين". وأن سكانها يقولون "يا علي" في مناجاتھم.
فدخل الغزاة. لم يبحثوا عن جنود. بحثوا عن البيوت. بحثوا عن القباب. بحثوا عن الأسماء. القتل هنا لم يكن "نتيجة معركة"، بل كان "هدف المعركة". الهدف هو كسر قلب الشيعة في مركز حبهم. هدم الرمز، وترويع الأتباع.
النجف بعدها كانت الرسالة الثانية: حتى لو هربتم إلى الحوزة والعلم، سنحاصركم. لأن العلم الشيعي نفسه جريمة.
هنا تطورت الفكرة. لم تعد "اقتل المقاتل الشيعي". صارت "اكسر الشيعي كإنسان".
*الربط: من كسر الإنسان إلى فرز الإنسان*
إذا كان كسر المدينة ممكناً، فكسر الفرد أسهل. إذا كان هدم القبة مباحاً، فهدم الجسد أهون. المنطق تدرّج: من إباحة دم الجيش، إلى إباحة دم المدينة، إلى إباحة دم الفرد الأعزل.
وبما أن "الشيعي" صار هوية مذنبة، صار فرز الناس حسب الاسم واجباً دينياً. وهكذا وصلنا للخطوة الأخيرة.
*الفصل الثالث: الفكرة تبلغ كمالها - سبايكر 2014م*
في قاعدة سبايكر، اكتملت دائرة الفكرة التي بدأت في النهروان. لا سور مدينة، ولا قبة تُهدم، ولا جيش يُهزم.
كان هناك شباب في سن الورد، خرجوا من الكلية يبحثون عن مستقبل. أوقفوهم على جانب الطريق. أنزلوهم من الشاحنات صفوفاً. ثم بدأ الفرز.
"اسمك؟"
"علي".
"ارفع يدك".
انتهى التحقيق. انتهت المحاكمة. انتهت الحياة.
لم يُسألوا عن رتبتهم، ولا عن سلاحهم، ولا عن ذنب ارتكبوه. سُئلوا عن اسمٍ سمّاهم به أبوهم تيمناً بعلي بن أبي طالب. فكان الاسم هو التهمة، والتهمة هي الحكم، والحكم هو الإعدام.
هنا بلغت الفكرة كمالها المنطقي البشع: لم يعد القتل يحتاج لا معركة ولا حصار. فقط يحتاج قائمة أسماء. القتل صار "إجراءً إدارياً" باسم الدين.
*الخاتمة: الدائرة المغلقة*
658م: سُئل الرجل في ساحة القتال "لماذا تقاتل مع علي؟" فقتله.
1802م: سُئل الرجل في بيته "لماذا تسكن جوار الحسين؟" فقتله.
2014م: سُئل الشاب في القاعدة "لماذا اسمك علي؟" فقتله.
1356 سنة مرت. تغير السلاح من السيف إلى البندقية. تغير المكان من الصحراء إلى القاعدة. لكن السؤال لم يتغير حرفاً. من النهروان إلى سبايكر... لم نسِر في خط مستقيم. سرنا في دائرة. ودائرة الدم هذه لن تُكسر إلا إذا كُسر السؤال نفسه.
السياق... سياق واحد.