بغداد _ العالم
يواجه المسيحيون في العراق واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ وجودهم الممتد لقرون طويلة، وسط مخاوف متزايدة من استمرار الهجرة وتراجع أعدادهم إلى مستويات غير مسبوقة. وفي وقت تسلم فيه البطريرك مار بطرس بولس الثالث نونا مهامه على رأس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، تتجه الأنظار إلى قدرته على قيادة هذه المرحلة المعقدة والحفاظ على ما تبقى من الوجود المسيحي في البلاد.
وفي هذا السياق، رسم تقرير صادر عن معهد أميركي معني بالدراسات الاستراتيجية صورة مقلقة لمستقبل المسيحيين العراقيين، معتبراً أن البطريرك الجديد يحمل مسؤولية تاريخية تتجاوز الشأن الديني لتشمل الحفاظ على هوية مجتمع تعرض لعقود من الحروب والعنف والتهجير.
وأشار التقرير إلى أن مراسم تنصيب البطريرك نونا حملت رمزية كبيرة، إذ عكست استمرار حضور الكنيسة الكلدانية باعتبارها واحدة من أقدم المؤسسات الدينية في الشرق الأوسط، غير أن هذا المشهد الاحتفالي يخفي وراءه واقعاً ديموغرافياً صعباً يتمثل في الانخفاض الحاد لأعداد المسيحيين منذ عام 2003.
وبحسب التقرير، كان عدد المسيحيين في العراق قبل عام 2003 يناهز مليوناً ونصف المليون نسمة، إلا أن موجات العنف والاضطرابات الأمنية والهجرة المتواصلة أدت إلى تراجع هذا العدد إلى أقل من 150 ألف شخص وفق تقديرات متداولة.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكمات طويلة بدأت مع حالة عدم الاستقرار التي أعقبت سقوط النظام السابق، مروراً بتصاعد أعمال العنف الطائفي، وانتهاءً باجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة من محافظة نينوى عام 2014. وخلال تلك السنوات تعرضت الكنائس والمؤسسات الدينية المسيحية لهجمات متكررة، فيما اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمن داخل العراق أو خارجه.
ويستعيد التقرير عدداً من المحطات التي شكلت نقاط تحول في تاريخ المسيحيين العراقيين، من بينها الهجوم الدموي على كنيسة سيدة النجاة في بغداد عام 2010، الذي ترك أثراً عميقاً في نفوس أبناء الطائفة ودفع الكثير منهم إلى التفكير بالهجرة.
لكن الضربة الأكبر جاءت مع سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل وسهل نينوى، حيث تعرض المسيحيون لعمليات تهجير جماعية، فيما دمرت كنائس وأديرة تاريخية تمثل جزءاً مهماً من التراث الديني والحضاري للعراق.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 120 ألف مسيحي اضطروا إلى مغادرة مناطقهم خلال فترة سيطرة التنظيم، الأمر الذي أحدث تحولاً ديموغرافياً كبيراً ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم.
ورغم إعلان هزيمة تنظيم داعش عسكرياً، إلا أن التقرير الأميركي يرى أن التحديات التي تواجه المسيحيين لم تنتهِ، بل أخذت أشكالاً جديدة تتعلق بالواقع السياسي والأمني والخدمي.
ويؤكد أن العديد من المناطق المسيحية، ولا سيما في سهل نينوى، ما زالت تعاني ضعف الخدمات وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي، وهي عوامل تدفع الشباب بشكل خاص إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.
كما أشار التقرير إلى اتهامات تتعلق بتدخل بعض الفصائل المسلحة في الشؤون المحلية للمناطق المسيحية، وما يرافق ذلك من نزاعات على الأراضي والعقارات، الأمر الذي ينعكس سلباً على جهود إعادة الاستقرار وتشجيع النازحين على العودة.
ومن القضايا التي أثارها التقرير أيضاً ملف التمثيل السياسي للمسيحيين في العراق، إذ أشار إلى أن نظام الكوتا المخصص للأقليات يضمن خمسة مقاعد للمسيحيين في مجلس النواب، لكنه يواجه انتقادات بسبب آلية التصويت التي تسمح للكتل السياسية الكبرى بالتأثير في نتائج هذه المقاعد.
ويرى منتقدون أن هذه الآلية تقلل من قدرة المسيحيين على اختيار ممثليهم الحقيقيين، وتضعف الدور الذي يفترض أن تؤديه مقاعد الكوتا في التعبير عن تطلعات المكون المسيحي والدفاع عن مصالحه.
ولهذا السبب تتصاعد الدعوات لإجراء إصلاحات انتخابية تضمن تمثيلاً أكثر استقلالية للأقليات الدينية والقومية في العراق.
ويجمع كثير من المهتمين بالشأن المسيحي على أن الهجرة تمثل التهديد الأبرز لمستقبل هذا المكون، خصوصاً مع استمرار التحديات الاقتصادية والأمنية.
فبحسب معطيات أوردها التقرير، فإن نسبة كبيرة من المسيحيين في محافظة نينوى تفكر بالهجرة أو تضعها ضمن خياراتها المستقبلية، الأمر الذي يثير مخاوف من استمرار النزيف السكاني خلال السنوات المقبلة.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إفراغ مناطق تاريخية من سكانها الأصليين، ما يهدد التنوع الثقافي والديني الذي تميز به العراق عبر قرون طويلة.
ويؤكد التقرير أن حماية المسيحيين لا يمكن أن تتحقق عبر ترميم الكنائس أو إحياء المواقع التراثية فقط، رغم أهمية هذه الجهود، بل تحتاج إلى معالجة جذرية للأسباب التي تدفع المواطنين إلى الهجرة.
ويشدد على أهمية تعزيز سلطة الدولة وتوفير الأمن وفرص العمل والخدمات الأساسية، بما يضمن بيئة مستقرة لجميع المكونات العراقية.
كما دعا إلى إصلاحات سياسية وقانونية تعزز الحريات الدينية وتضمن تمثيلاً عادلاً للأقليات، فضلاً عن دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية في المناطق التي تضررت من الإرهاب والصراعات.
وفي ظل هذه التحديات، يقف البطريرك مار بطرس بولس الثالث نونا أمام مهمة معقدة تتجاوز الجوانب الكنسية، إذ تتعلق بالحفاظ على وجود تاريخي يعد جزءاً أصيلاً من الهوية العراقية. وبين استمرار الهجرة وتراجع الأعداد من جهة، والآمال المعقودة على الاستقرار والإصلاح من جهة أخرى، يبقى مستقبل المسيحيين في العراق مرتبطاً بقدرة الدولة على ترسيخ المواطنة وسيادة القانون، وحماية التنوع الذي شكل على الدوام أحد أبرز ملامح المجتمع العراقي.