الاسبوع الماضي حضرت احتفالين بمناسبة يوم الصحافة العراقية. الاول نظمته نقابة الصحفيين في فندق المنصور ميليا. والثاني جاء بعده بيوم وقد نظمته مؤسسة المدى في منزل رئيسها فخري كريم.
وفي الحفلين كان حضوري استجابة لدعوة تكريم. في الاول ابلغني النقيب مؤيد اللامي بتخصيص النقابة ”درعا“ لصحيفة ”الصباح الجديد“. وفي الثاني كان التكريم باسمي. وقد خرجت من الاول مرهقا حزينا وعدت من الثاني مرتاحا ممتنا.
كان حفل النقابة رسميا فوضويا خانقا. في صدر القاعة هناك لافتة ملء البصر فيها هذا الكلام: ”نرحب بممثل دولة رئيس الوزراء الاستاذ نوري المالكي المحترم“. هذ التملق او”اللواكة“ هو أول ما يصفعك عند دخول قاعة الحفل. الترحيب بالحكومة ولو كانت جمهورية افلاطون لا يجب أن يكون أول ما يلفت النظر في احتفاء بيوم الصحافة، هذا اذا كان له مكان اصلا في مناسبة كهذه. وكان صوت الجمهور أعلى من صوت المتحدثين. وكان الحر خانقا. وكما يحدث في مناسبات رسمية تولى شاعر شعبي مهمة تمجيد الصحافة. والادهى من كل ذلك ان دروع النقابة قدمت الى رسميين من الحكومة والبرلمان، وفهمت ان دروع المؤسسات الصحفية تأجلت لضيق الوقت. حتى هدايا ابناء وبنات شهداء الصحافة من الاطفال ـ وما ابخسها للاسف! ـ وزعها رسميون بينهم اللواء الركن عبد الكريم خلف المتحدث باسم وزارة الداخلية.
في العادة وعلى سبيل المزح الجاد أقول لزملائي المحررين والمحررات: هذا عنوان بعثي! هذا خبر بعثي! ويكون ذلك حين يأتوني بمواد تصور منجزات للحكومة، وتأتي من مصدر حكومي، دون سؤال الشريحة التي يفترض ان تستفيد من ذلك الانجاز، وايضا دون سؤال جهات محايدة معنية بذلك الانجاز. وبذلك يظلم الانجاز حتى لو كان فعليا.
وأقول للزملاء: الصحافة لهموم الناس، للحقيقة، للتعبير عن آمال الناس ومخاوفهم. وحتى اذا وجدنا انفسنا كصحافيين في موقع تضامن مع الحكومة، مثل ما يمليه الواجب من الوقوف معها ضد الارهاب، فان ذلك يجب ان يصدر من موقع ”التضامن النقدي“. هذا النقد مصدره طبيعة المهنة أو دورها الذي يتلخص بالرقابة على اعمال السلطات جميعا من تنفيذية الى تشريعية الى قضائية الى اجتماعية. الاعلام عيون الناس وآذانهم. وهكذا أقول أيضا لمؤيد ولصحبه المنظمين للحفل، وأيضا على سبيل المزح الجاد، ان حفلكم بعثي. إن لم يكن لشيء فلتلك اللافتة، وان لم يكن لشيء فلتلك البادرة السيئة في تقديم تكريم الرسميين وتأخير تكريم الصحفيين أو مؤسساتهم أو ربما الغائه أصلا لان الحفل جرى الثلاثاء وها أنا أكتب الجمعة ولم أسمع شيئا عن مصير الدرع الموعود. وبالمناسبة: لماذا درع اصلا؟
على النقيض من ذلك كان حفل فخري كريم أقرب الى القلب، والى المهنة، والى الأصول. كان الحضور بالجملة مؤلفا من ابناء الحرفة. وكان غناء أو طرب عراقي. وكان الصحفيون ومؤسساتهم هم موضع التكريم كما يفترض. في حديقة فخري كنت تجد الزميل والصديق، وبالتالي الكلام والسماع والدعابة، وفعالية التكريم الموجزة، والألفة على العموم. وهناك عند مؤيد تجد التجهم والحشد الذي بالكاد تميز فيه شخصا من ابناء الصنف. ان اعمال التكريم في كل عمل مهمة، لأنها شحذ لقيمة الاحترام التي يجب ان تسود الناس، وهذه القيمة هي الحد الفاصل بين التوحش والتحضر. لكن التكريم الحقيقي الأهم للصحفيين والاعلاميين يكمن في صنع بيئة اجتماعية، أو فضاء يسمح لهم بممارسة دورهم في تنمية شروط الحرية. وصنع هذه البيئة يتطلب كفاح الاعلاميين واستماتتهم، مع زملائهم وأقرانهم من صنوف نخبة الفكر. والنخبة نوعان، احدهما يؤثر في الناس بعقله والثاني بجيبه. والأثر الأول خالد والثاني أزلي ايضا. ذاك حارس معبد القيم وهذا صانع الثروة. والثروة التي لا تستأنس بالقيم تتوحش. في حفل مؤيد وجدت المهنة تحت ظل السلطة، الجيب والقوة. لذلك شعرت بالغربة. بينما كنت الى حد كبير في بيتي عند فخري. شكرا رئيس مؤسسة المدى!
ويا نقيب الصحفيين خليك في البيت!