بغداد _ العالم
في خطوة تُعد الأولى من نوعها على مستوى العالم الإسلامي، نجح رجل الدين الكوردي عز الدين حامد في إنجاز مشروع ترجمة القرآن الكريم كاملاً إلى لغة الإشارة، في مبادرة إنسانية ومعرفية تفتح آفاقاً جديدة أمام شريحة الصم لفهم النص القرآني والتفاعل معه بشكل مباشر. ويُنظر إلى هذا العمل بوصفه تحولاً نوعياً في مجال التعليم الديني لذوي الإعاقة السمعية، لما يحمله من أبعاد دينية وثقافية واجتماعية عميقة.
انبثقت فكرة المشروع من تجربة شخصية عاشها حامد داخل أسرته، حيث نشأ بين إخوة من الصم، ما جعله يدرك مبكراً حجم التحديات التي تواجه هذه الفئة في الوصول إلى المعرفة الدينية. ومن هنا، بدأ بترجمة بعض السور القصيرة لأفراد عائلته، قبل أن تتبلور لديه فكرة أكثر طموحاً تتمثل في ترجمة القرآن الكريم كاملاً إلى لغة الإشارة، وهي مهمة معقدة استغرقت سنوات من العمل المتواصل والبحث الدقيق.
ولم يقتصر المشروع على نقل المعاني العامة للآيات، بل عمل حامد على تطوير أسلوب فريد يتيح للصم قراءة القرآن "حرفاً بحرف"، بما يحاكي تجربة القراءة التقليدية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في طرق تعليم القرآن لهذه الفئة. وقد تطلب ذلك جهداً مضاعفاً في ابتكار إشارات دقيقة تعكس المعاني اللغوية والبلاغية للنص القرآني، مع الحفاظ على دقته وروحه. وحظي هذا الإنجاز بإشادة واسعة من جهات دينية وأكاديمية، حيث عُرضت نسخة من العمل على جامعة الأزهر، كما نال استحسان مختصين في مكة والمدينة المنورة، ما يعكس القبول العلمي والديني لهذا الجهد غير المسبوق. ويؤكد ذلك أن المشروع لا يمثل مبادرة فردية فحسب، بل خطوة يمكن البناء عليها لتطوير أدوات تعليمية جديدة في العالم الإسلامي.
وشهد المصحف المترجم إقبالاً كبيراً، إذ طُبع ثلاث مرات حتى الآن، بواقع ألف نسخة في كل من الطبعتين الأولى والثانية، و1500 نسخة في الثالثة، وقد نفدت جميعها بسرعة، ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذا العمل. ويجري حالياً التحضير لإصدار طبعة رابعة بدعم من متبرعين، بهدف توسيع نطاق الاستفادة منه.
وفي جانب إنساني لافت، خصص حامد يوماً أسبوعياً لتعليم النساء من الصم، إدراكاً منه للصعوبات الاجتماعية التي قد تحول دون مشاركتهن في الدروس العامة، في خطوة تعكس التزامه بتوسيع دائرة المعرفة لتشمل الجميع دون استثناء.
يمثل هذا المشروع علامة فارقة في مسار دمج ذوي الإعاقة السمعية في الحياة الدينية والثقافية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الابتكار في وسائل التعليم الديني. كما يبعث برسالة أمل لملايين الصم في العالم الإسلامي، مفادها أن الوصول إلى المعرفة لم يعد حكراً على فئة دون أخرى، بل هو حق متاح للجميع بفضل مبادرات إنسانية رائدة كهذه.