تروي الباحثة الفرنسية أنكا فيزدي التي عرفت سيوران شخصياً خلال ثمانينيات القرن الـ20 أدق تفاصيل سيرته، راصدة كل أحداث حياته منذ ولادته وشبابه في بلده الأم، مروراً بألمانيا النازية وإسبانيا وساحل دييب، مستندة إلى كم من الشهادات والنصوص والرسائل والأعمال الأولى المكتوبة بلغتها الرومانية الأصلية، والمجهولة من القراء الفرنسيين والفرنكفونيين، مما يجعل من هذه السيرة حتى الآن السيرة الأكثر اكتمالاً للفيلسوف الذي يعتبر إلى جانب المفكر والمؤرخ ميرتشيا إلياده والمؤلف المسرحي أوجين يونسكو، واحداً من كبار الأدباء والمفكرين الرومانيين في القرن الـ20 الذين انتموا إلى طليعة المثقفين الشباب في بوخارست، لكنهم صنعوا مجدهم خارج حدود الوطن.
وأنكا فيزدي رومانية المولد، أبصرت النور في مدينة بوخارست عام 1954، ثم هاجرت عام 1973 مع والدها إلى مدينة لوزان السويسرية أيام حكم نيكولاي تشاوتشيسكو، حيث تابعت دراساتها الجامعية في الحقوق والعلوم السياسية والجنائية حتى نيلها شهادة الدكتوراه عام 1979، بعد دراستها الإخراج في المعهد المسرحي في بوخارست، لكنها استقرت في باريس وعملت كمراسلة وناقدة مسرحية وسينمائية. وسبق لها أن نشرت عدداً من الكتب تناولت سير حياة كل من جان أنوي وأورسن ويلز وألبرتو جياكوميتي، فضلاً عن كثير من الروايات والمسرحيات.
بعدما أدركت أن سيرة سيوران الحقيقية لا يمكن أن توضع إلا في إطارها الزمني ولا يمكن أن تكون إلا صورة جماعية له ولرفاق جيله، أطلت فيزدي على هذه السير المتوازية التي فتحت أمامها عالماً مختلفاً بأساليب عيشه وتفاعلاته وإبداعاته، ذلك أن كل واحد من أولئك الرفاق أضاء على جوانب من شخصية سيوران التي كان يمكن أن تظل غامضة. لذا تحدثت عن ميخائيل سيباستيان والشاعر المولود في رومانيا بول سيلان والفيلسوف الوجودي الروماني بنيامين فوندان، واستعادت، من بين من عرفتهم، يونسكو وإلياده في شبابهم، ومن خلال أعمالهم، تعرفت إلى منفيين رومانيين آخرين عاصروا الفيلسوف وصاروا أيضاً مثله كتاباً بالفرنسية. وتوضح المؤلفة أن عنوان الكتاب كان بتأثير من نيتشه وكتابه "العلم الجذل"، ذلك أن سيوران هو نقيض نيتشه، ولو أعجب بالفيلسوف الألماني في مطلع شبابه، لكنه اعتبره في ما بعد "ساذجاً"، إذ كان نيتشه يتمتع بموهبة الحماسة التي لم تظهر في كتابات سيوران، غير أن هذه الموهبة كانت بينة في حياته الخاصة. فبدا لها أن ربط الرجلين بخيط العنوان هدية جميلة لسيوران وللقارئ على حد سواء.
سيوران الذي لم يسعَ يوماً إلى الشهرة، جاءت هي إليه على رغم إرادته، فهو لم يحب أبداً أن يصور ولا أن يسجل صوته ولم يكُن يحتفظ بأي أرشيف ولم يكتب مذكراته بهدف نشرها، بل اكتفى بكتابة بعض الدفاتر التي ضمنها شذرات وتأملات ذات طابع خاص. وهو بحسب الكاتبة لم يروِ سيرته، بل تنكر لها وألغى تواريخها وشوه تفاصيلها، أو لعله تركها تتبخر في صمته، وهذا بالضبط ما جعل كتابة سيرته أمراً شائكاً ومغرياً في آن واحد.
تشبّه أنكا فيزدي كتابتها لمسرى حياة إميل سيوران برحلة بحث في صحراء تتناثر فيها ما قاله وما لم يقُله وما حرص على إخفائه، إذ كتب سيوران ذات يوم "ما من شيء يستحق أن يُروى". لكن فيزدي تعترف بأن حياته تستحق أن تُروى، ليس لأنها مليئة بالوقائع الكبرى، بل لأنها مغامرة داخل النفس الإنسانية التي تعيش حال تذمر دائم من العالم وتمرد على المألوف وخيار متطرف للعزلة والفكر. ولكن ما الجديد الذي تخبرنا به هذه السيرة عن إميل سيوران؟ كيف عاش؟ من أين أتى؟ ما الذي جعله الفيلسوف الذي نقرأ؟ وكيف تحول من شاب صاخب في بوخارست، إلى ناسك ساخر يعيش في الحي اللاتيني في باريس؟ وما هو الثمن الذي دفعه مقابل نبوغه وصمته واختياراته الراديكالية؟ وما سر جاذبيته، على رغم السوداوية التي تلف كل جملة كتبها؟
خلال هذه السيرة، لا تتردد فيزدي عن وصف سيوران القصير القامة والمتين البنية المتوج رأسه بخصلة بيضاء كثيفة، مشددة على حضوره اللافت. فتقول لنا إن وجهه جمع بين ملامح أنطونان أرتو وشوبنهاور وأنه تمتع بأناقة ثقافية وروح دعابة وحيوية وطباع قوية وشخصية مميزة قادرة على الاستماع، فلا أثر في كلامه للادعاء. ولعله كان محاوراً ساحراً يمكنه أن يفاجئ محدثه بآراء حادة أو غير متوقعة. لكنه كان يتحدث كما يكتب بأناقة ودقة، بل أفضل مما يكتب بلا كلمات زائدة، مؤكدة قول الكاتب الإيطالي وأستاذ الأدب في جامعة بادوفا، ماريو أندريا ريغوني، صديق سيوران ومترجم أعماله إلى اللغة الإيطالية الذي وصفه قائلاً إنه "أحد العباقرة الخفيين الذين يتجلون أكثر في التواصل الشخصي منه في الكتابة".
لكن سيوران كان ذا طبع حاد، فكان يغضب بحسبها فجأة بسبب كلمة. لكنه سرعان ما كان يهدأ، خصوصاً إن لم يُعارض، ثم لا يعرف كيف يعتذر. وهذا الجانب الطفولي والعفوي في شخ
تعرج السيرة على سفر سيوران إلى برلين، ثم إلى ميونيخ، حيث وضع أول كتاب له باللغة الرومانية صدر عام 1934 بعنوان "على مرتفعات اليأس"، وإن تنسى فلا تنسى أن تتحدث عن الخوف من الموت والجنون اللذين لازما الفيلسوف، ملقية الضوء على انبهاره بالنظام النازي وعلى انتباهه في ما بعد أن الأيديولوجيا النازية محدودة وإقصائية وأن الأدب الـ"هتلري" لا يُقرأ وأن المستوى الفكري لألمانيا منخفض وأن الاشتراكية الوطنية تمثل اعتداء على الثقافة. كما تتوقف مطولاً عند عودته لرومانيا عام 1936 كأستاذ للفلسفة وتعرفه إلى أفكار السياسي الروماني اليميني المتطرف كورنليو زليا كودريانو، مؤسس وقائد "الحرس الحديدي" والمنظر لمنظمة قومية معادية للسامية وللشيوعية نشطت طوال الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين. وتستشهد فيزدي بأفكار سيوران التي كانت خلال هذه الفترة بالذات قريبة من طروحات "الحرس الحديدي"، ولو انتقد وعد المسيحية بالحياة الأبدية واعترف بأن إعجابه بالحركات اليمينية المتطرفة كان خطأ، إلا أنه احتفظ طوال حياته بنوع من الوحدة الفكرية المشبعة بالتشاؤم والمرارة، ولكنه تحرر تدريجاً من الرؤية الـ"نيتشوية" للإنسان المخلص المتجاوز للأخلاق، نحو مسؤولية الفرد عن حياته وسعادته، مما جعله يغوص أكثر في النزعة الشكية والعدمية.
تتناول السيرة كذلك وصول سيوران إلى فرنسا عام 1937 بفضل منحة حصل عليها من المعهد الفرنسي في بوخارست. لكنه عاد لرومانيا مرتين. وخلال سنوات ما قبل الحرب، كان على صلة ببعض أعضاء "حزب الشعب الفرنسي". وفي باريس تعرف سيوران إلى بنيامين فوندان، وهو كاتب يهودي روماني الأصل انتمى إلى السوريالية، لكنه عارض بشدة ميولها الشيوعية، فانتقل إلى الوجودية وتتلمذ على ليف شيستوف. وفوندان الذي كان أسير حرب إبان سقوط فرنسا، اعتقل وسُلم إلى السلطات الألمانية النازية التي رحلته عام 1944 إلى "معتقل أوشفيتز". وكان لهذا اللقاء تأثير في تغيير توجهات سيوران الفكرية الذي اعترف بأن إعجابه بالحركات اليمينية المتطرفة كان خطأ. وتتحدث السيرة كذلك عن لقاء سيوران برفيقة عمره سيمون بويه عام 1942 وتقلبات قلبه حتى خلال شيخوخته وقيام النظام الشيوعي في رومانيا، ومنع كتبه وسحب الجنسية الرومانية منه، هو الذي بقي فترة من دون جنسية طوال فترة الحكم الشيوعي. وعلى رغم أنه قضى معظم حياته في فرنسا، فإنه لم يطلب أبداً الجنسية الفرنسية. وعام 1970 كتب سيوران "بلدي ليس وطناً، بل جرحاً لا يلتئم".
يغطي النصف الثاني من الكتاب الفترة الممتدة من عام 1945 حتى وفاة الفيلسوف في الدائرة 13 من باريس عام 1995، فيتحدث عن مشكلاته الصحية وذيوع صيته في الأوساط الفكرية الفرنسية ونجاح أعماله، هو الذي قال ذات يوم "عرفت كل أشكال الانحطاط، بما فيها النجاح". وتتوقف فيزدي مطولاً عند شذرات سيوران وزهده وسخريته ولمسة التشاؤم التي طبعت كل كتاباته، خاتمة كتابها بقول للأديب المجري إيمري كيرتش إن "سيوران مذهل، وأحياناً متألق، لكني أسمع خلف كلماته بكاء طفل جرح بعمق".