كاتيا الطويل
من الخوف من النوم، مروراً بكره الكتب، وصولاً إلى العلاقة الغريبة بالجسد والطعام والآخرين، يكتشف عشاق باريكو رواية رائعة مبدعة لافتة تروي قصة عائلة خارج الزمان وخارج المكان، قصة تضارع في خصائصها حكايا الخرافات والخيال المبدع. فيخلق باريكو في 200 صفحة حبكة تدور حول شخصيات غريبة تنتمي إلى عائلة واحدة تعيش حياة عجيبة في نظام صارم وتقاليد غير متوقعة وطريقة تفكير غير مألوفة. ويدخل القارئ فضاءها بسهولة وجزالة ويستغرب قدرة الكاتب الخارقة والمبدعة على تحويل ما لا يمكن تصديقه إلى فضاء سردي مألوف.
تدور أحداث الرواية بكاملها في قصر العائلة الذي لا تغادره سوى مرة واحدة في السنة ولمدة أسبوعين فقط، وذلك بهدف "أن يرتاح" البيت ويتجدد. عائلة غامضة لها عاداتها وتقاليدها وروتينها الخاص الذي يكتشفه القارئ منذ الصفحة الأولى، فيتآلف معه طوال السرد ويروح يستمتع بغرائبيته وفضائه العجيب.
لكن هذه العائلة الأرستقراطية ليست بالتألق والمثالية والنموذجية التي قد تبدو عليها، فالأب مريض بالقلب منذ طفولته وهو يملك "قلباً من بلور" يمنعه عن العيش بحرية تامة. أما الابنة فهي الأخرى مصابة في أطرافها جراء حادثة أصابتها في صغرها. أما العم الذي يبدو أنه ليس العم تماماً بل هو غريب ومنحوه لقب العم لإقامته معهم، فهو مصاب بمرض غامض وهو النوم المستمر الذي لا يفيق منه إلا في فترات قليلة. عائلة غريبة تنزلها العروس الشابة وتكتشف فيها عادات غريبة ونمط عيش عجيب مبهم جذاب.
ينتظر أفراد هذه العائلة العجيبة الموت ليلاً ويخشونه، فيظهر الموت توأم النوم ومرافقه. وفي كل صباح، بعد مرور الليل الطويل الذي يتجنب أهل هذه العائلة النوم في أثنائه، يخرج أفراد العائلة ليهنئوا بعضهم بعضاً وكأنهم عائدون من الموت: "يلتقون خارج غرفهم في الردهات وعلى الدرج، ويتعانقون كالعائدين من المنفى، لا يكادون يصدقون أنهم نجوا من ذلك السحر الذي يبديه الليل لهم". (ص: 9).
ليس الخوف عبثياً في هذه الرواية ولا قليلاً، بل هو إلى جانب تيمة الانتظار أكثر ما يطغى على فضاء السرد، حتى إن الخادم يفسر للعروس الشابة هذا الواقع قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه القدر، ولا هو الشيء الذي يتوارث، بل ما يتوارث شيء أكثر عمقاً وحيوانية، نحن نرث الخوف"، (ص: 35).
ثنائية الطعام والمجتمع
لا تقبل هذه العائلة التي تدخلها العروس الشابة على الحياة بل تستقبلها إلى مائدتها. عادة غريبة تعيش عليها عائلة القصر وهي أن تمد مائدة الإفطار طوال اليوم وللساعة الثالثة من بعد الظهر، ليتحول الطعام إلى وسيلة شكر للحياة وفرح للنجاة من "كارثة الموت" (ص: 9) خلال الليل. فيقول الكاتب: "تبقى الوجبة على المائدة لساعات [...] يستقبلون على المأدبة الكبيرة زوار اليوم من الأقارب والمعارف، والموظفين الجدد، والممولين، أي من في السلطة، ورجالاً ونساء من الكنيسة، كل منهم يتقدم بالموضوع الذي يخصه". (ص: 10).
من الغريب في هذا الموقف أن أفراد العائلة لا يتوانون عن استقبال زوارهم بملابس النوم، لتكون هذه العادة مقبولة منهم دون غيرهم لما إلى مائدتهم من كرم وشامبانيا وأنواع فاخرة من الأطعمة ولما في هذا الإفطار من تبادل ونقاش وحل لمسائل شائكة. تعكس ملابس النوم والمائدة الهائلة كرم هذه العائلة ومكانتها ورفعتها واستمرارية نفوذها في المجتمع وتعكس توجه أهل المجتمع من كبيرهم إلى صغيرهم إليها ليجدوا لدى الأب والأم حلولاً لمشكلاتهم. تتحول مائدة الطعام إلى صلة وصل بين أفراد العائلة الذين لا يغادرون قصرهم وبين أهل المدينة التي يقيمون فيها. يتحول الطعام في هذه الرواية إلى المناسبة الوحيدة التي تربط العائلة بالمجتمع المحيط بها، هي الغارقة بهواجسها ومخاوفها وعاداتها المخالفة للمتوقع.
ثنائية الحب والإيروتيكا
من موضوعات السرد الواضحة والجلية في هذه الرواية الجسد الأنثوي وقدرة الجمال الأنثوي على التحكم بأمور الحياة والآخرين والعائلة. تتعلم العروس الشابة في هذه العائلة أصول الإغراء وتحريك الرغبة ليكون الجسد هو المسيطر على المشهد. فبعد أن عاشت 18 عاماً تحاول محو جسدها والعيش بشكل خفي عن عيون الرجال، تتلقن هذه القادمة من بعيد أصول التعامل مع جسدها، فتكون مرشدتها الأولى الابنة، ثم الأم، فالأب، وصولاً إلى العم.
يتحول أفراد العائلة إلى معلمين في فن الإغراء والإروتيكا ليكون الجسد محوراً أساساً من محاور الرواية. ويلاحظ القارئ أن المكان الوحيد الذي زاره أفراد العائلة جميعهم والذي التقى فيه الأب بالأم إنما هو الماخور. وكأن الإيروتيكا تحل محل الحب في العلاقات كلها، تلك المتوقعة كعلاقة الأب بالأم، أو تلك غير المتوقعة كالتي تجمع العروس الشابة بالعم. تكتشف العروس الشابة جسدها وقدراته ومكامنه وهي تنتظر الابن وكأن غياب الابن عن القصر لدى وصولها متعمد لتبدأ عملية تلقينها وتحضيرها وتعليمها قبل وصوله. "العروس الشابة" فانتازيا رائعة مبهمة جذلة تروي قصة عائلة أرستقراطية بطريقة عيشها اللامألوفة وعلاقاتها الغريبة. فيجد القارئ نفسه في هذه الرواية إزاء سرد متوهج متماسك متقن فيه سلاسة وتسلسل وعمق. يتعرف القارئ إلى هذه العائلة من خلال راو حاضر في النص يعلم قارئه بخطوات السرد كلها لدرجة أنه يقول إنه لا يدري كيف ستنتهي القصة. فيجد القارئ أن الراوي تارة يسرد بضمير الغائب وطوراً بضمير المتكلم وهو أمر بدلاً من أن يثير الاستغراب واللبس، يتحول إلى حوار ثاقب ومتوهج بين صانع النص ومتلقيه.
لكن المشكلة تتجلى للأسف في الترجمة. فعلى رغم المجهود الحميد الذي قامت به المترجمة المصرية أماني فوزي حبشي، التي ترجمت مشكورة أعمالاً أخرى لباريكو، يبدو أنها ارتكبت أخطاء لغوية كثيرة تغلغلت في النص وسلبته رونقه وجمالية أسلوبه، وهي أخطاء كان يمكن تجنبها ببساطة، كمثل: "وكأننا نهراً"، والصواب: كأننا نهر (ص: 9) ، "فهو يرى فيها نوع واضح من عدم اللياقة"، والصواب: نوعاً واضحاً (ص: 11)، "وظهر على ملامح وجههم تعبيراً"، والصواب: تعبير (ص: 17)، "اكتسب نوع خاص من الاستنارة"، والصواب: نوعاً خاصاً (ص: 18)، "لا بد أنك رقصتي كثيراً،"، والصواب: رقصت (ص: 19)، "بدأت تفهمي"، والصواب: بدأت تفهمين (ص: 34)، "إذا تمتعتي"، والصواب: تمتعت (ص: 84)، "يمكث وحده وسط حفلاً مثل هذا"، والصواب: حفل (ص: 129)، "صمت الراجل"، والصواب: الرجل (ص: 133)، "لم أر أحد"، والصواب: أحداً (ص: 180)، إلخ. أخطاء كثيرة ارتكتبها المترجمة، يا حبذا لو تصحح وتنقح قبل الطبعة الثانية.