|
|
هاشم العقابي
كريم العراقي يتحرر !
أكثر ما كان يشغلنا، نحن معاشر الشعراء الشعبيين من كتاب القصيدة “الحديثة”، في مطلع السبعينيات، هو التطلع لمهرجانات الشعر الشعبي التي كانت تسمى “القطرية” في آنها. كانت فرصتنا الوحيدة لنلتقي ببعض في واحدة من محافظات العراق. اهم انشغالاتنا في تلك الايام كانت ان نستعد ونعد انفسنا للمشاركة. الشاغل الاساس ليس ما سنقرأ، بل كيف نتدبر مصاريف السفر من بغداد الى المحافظة التي ستحتضن المهرجان. وكم من شاعر منا اعاقته شحة المال عن المشاركة، فالقصيدة بصيرة واليد قصيرة. ما اجتمعت انا وصديقي الحميم كريم العراقي الا وتذكرنا كيف انه في العام 1972 كان لا يمتلك حتى ما يوصله من مدينة الثورة الى “كراج النهضة” الذي منه يتم الانطلاق الى الديوانية حيث يقام المهرجان الرابع للشعر الشعبي. عرضنا الحال على الشاعر المرحوم كاظم الحميري فوافق ان يدفع اجرة كريم الى الديوانية، واشترط عليه ان يحمل حقيبته. كان كريم في آنها اصغرنا سنا واضعفنا بنية وحقيبة الحميري تكاد تعادله وزنا. يذكر كريم انه ما همه ثقل الحقيبة ولا تحكم الحميري به طيلة ايام المهرجان لانه الراعي (السبونسر)، بل ان “يدّة” الحقيبة قد انفصمت واضطر كريم ان يرفعها على رأسه ليسير بها خلف “راعيه” الذي كان يحثه، بغطرسة “اقطاعي”، على ان يسرع في مشيته. كانت تلك هي أول مشاركة لكريم العراقي في المهرجانات “القطرية”. ما ان بدأ قصيدته حتى صار نجم المهرجان بلا منازع. قرأ قصيدته “بواجي امي” التي أذكر منها: أدور عليك .. تايه طايحه اجدامي وأصوت :ها طويل البال .. روحي مسايسه اعظامي أغص بچلمة النشده .. أومي وحسي طبگته عليك اَخ العطش يفرات .. أنخه بنخوة الظامي وبيك حرورة التابوت وآنه اشاه بعظامي وقف جمهور الديوانية ذو الحس المرهف للشعر الجميل على قدميه وتفاعل مع قصيدة كريم، الذي حين انتهى من قصيدته احاطه شباب وشابات الديوانية بالاعجاب والتقدير وانهالت عليه الدعوات من كل جانب. كانت تلك واحدة من لحظات فرحي الجميلة بصاحبي، وهل هناك أجمل من فرحة بتألق صديق؟ قبلته مهنئا، واذا بصوت الحميري يهمس باذن كريم: “كرومي اجي وياك؟”. رد كريم بدماثته المعهودة: “ولو يا ابو ثائر انت الاصل”. سار كريم لكن “راعيه” سار وراءه هذه المرة. قال لي: - الحمد لله الذي حررني من سيطرة كاظم الحميري. فأجبته: - ربك ما يكطع يا كريم. هاشم العقابي
ريسان الفهد | 29-07-2010
| |