بغداد _ العالم
في مشهد سياسي عراقي معقد يتسم بتداخل النفوذ الإقليمي والدولي، برز اسم علي الزيدي بوصفه مرشح تسوية لرئاسة الوزراء، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المراقبين. فبينما رأت بعض التحليلات أن صعوده قد يعكس تحولاً في موازين القوى داخل الإطار التنسيقي، تشير قراءات أعمق إلى أن الأمر لا يتعدى كونه إعادة إنتاج لنمط سياسي مألوف، يقوم على اختيار شخصية مقبولة من جميع الأطراف، دون أن تمثل تحدياً حقيقياً لمعادلة النفوذ القائمة بين الولايات المتحدة وإيران.
يأتي اختيار الزيدي في سياق داخلي متشابك، حيث لم يكن اسمه مطروحاً بقوة ضمن قائمة المرشحين التقليديين، ما جعل ظهوره مفاجئاً لكثير من الأوساط السياسية والإعلامية. وبحسب تقارير دولية، فإن اختياره لم يكن نتيجة تفوقه السياسي أو امتلاكه قاعدة جماهيرية، بل لأنه يمثل "الخيار الذي يمكن للجميع تحمّله"، وهي معادلة لطالما حكمت عملية تشكيل الحكومات في العراق منذ عام 2003. ورغم أن البعض فسّر تراجع دور نوري المالكي على أنه مكسب لواشنطن، خاصة بعد رفض دونالد ترامب دعمه علناً، إلا أن المعطيات تشير إلى أن صعود الزيدي لا يمثل تحولاً استراتيجياً ضد طهران. فالرجل، وفق تقارير عدة، نشأ وعمل ضمن بيئة اقتصادية وسياسية قريبة من النفوذ الإيراني، ما يجعله أقرب إلى الاستمرارية منه إلى القطيعة.
هذا النمط ليس جديداً في العراق، إذ سبق أن شهدت البلاد صعود شخصيات تم تقديمها كحلول وسط بين القوى المتنافسة. فقد جاء المالكي بدعم أميركي في مرحلة معينة، بينما شكّل حيدر العبادي خياراً توافقياً بين واشنطن وطهران، في حين عكس تكليف عادل عبد المهدي ميلاً أكبر نحو النفوذ الإيراني، بدعم مباشر من قاسم سليماني. أما مصطفى الكاظمي، فقد جاء في سياق توازنات استخباراتية معقدة أعقبت اغتيال سليماني عام 2020.
ضمن هذا السياق، يبدو أن الزيدي يسير على خطى سابقيه، معتمداً على شبكة علاقات محدودة لكنها فعالة، تمتد عبر المكونات السياسية المختلفة، من القوى الشيعية إلى الكردية والسنية. كما أن افتقاره إلى حزب سياسي منظم يجعله أقل قدرة على تحدي النظام القائم، وأكثر ميلاً للتكيف معه، وهو ما يعزز من فرص قبوله من قبل مختلف الأطراف، لكنه في الوقت ذاته يحدّ من قدرته على إحداث تغيير جوهري.
ومن العوامل اللافتة في مسار تكليفه، الدور الذي لعبه قيس الخزعلي، الذي يُعتقد أنه حافظ على نفوذ مؤثر خلف الكواليس، ليس فقط في اختيار الزيدي، بل أيضاً في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة. كما برز اسم فائق زيدان كوسيط رئيسي في عملية التوافق، مستفيداً من فراغ نسبي في التدخل الإيراني المباشر خلال الأشهر الماضية.
(تفاصيل ص2)