بغداد – العالم
تتسارع دقات الساعة السياسية في العاصمة العراقية بغداد، حيث يقف المشهد الحكومي على أعتاب منزلق دستوري وسياسي جديد. فبينما يستعد رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي، لتقديم كابينته الوزارية "المجزأة" إلى البرلمان، يشتعل فتيل الأزمة من جديد حول ما وُصف بـ"مناصب الترضية"، وسط تحذيرات من عودة نهج المحاصصة الذي أرهق الدولة لسنوات.
في تطور مفاجئ يعكس عمق التفاهمات (أو الخلافات) داخل أروقة القرار، كشف النائب عن كتلة بدر، شاكر محمود التميمي، عن استراتيجية "القطعة الواحدة" التي سيتبعها الزيدي. فبدلاً من تقديم حكومة كاملة، سيُقدم المكلف 14 وزيراً فقط مطلع الأسبوع المقبل. هذا الإجراء، وإن كان مبرراً سياسياً بـ"موسم الحج" وسفر النواب، إلا أنه يثير تساؤلات قانونية حول قدرة حكومة "منقوصة" على إدارة ملفات بلد مثقل بالأزمات.
التسريبات تشير إلى أن اليومين المقبلين (الأربعاء والخميس) سيشهدان تسليم البرنامج الحكومي إلى رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، ليكون تحت أنظار النواب قبل جلسة التصويت المرتقبة يوم الأحد أو الاثنين. الهدف هو نيل "الثقة القانونية" بالحد الأدنى من النصاب الوزاري، ثم ترك الحقائب الخلافية إلى ما بعد انتهاء مناسك الحج. في الوقت الذي ينتظر فيه الشارع العراقي حكومة خدمات رشيقة، جاءت تسريبات "استحداث المناصب" لتصب الزيت على النار. فقد أكدت مصادر داخل "الإطار التنسيقي" التوجه لاستحداث وزارة "دولة للشؤون الخارجية"، وهي خطوة ترفع حصة الإطار إلى 13 وزارة، وتعزز نفوذ قوى سياسية بعينها داخل التشكيلة.
هذا التوجه لم يمر بسلام؛ فقد شنت كتلة "إشراقة كانون" هجوماً لاذعاً على ما وصفته بـ"مناصب الترضية". وفي مؤتمر صحفي عكس حجم الهوة بين القوى الناشئة والكتل التقليدية، حذر النائب حيدر المطيري من "نهم السلطة" و"شهوة المغانم"، معتبراً أن استحداث مناصب وهمية مثل نيابات رئاسة الجمهورية والوزراء، ووزارات دولة بلا حقائب، يمثل "ارتداداً تخريبياً" لجسد الدولة العراقية وتكراراً لسياسات الفشل التي أدت إلى سخط جماهيري واسع.
لم تكن اللقاءات التي احتضنها منزل زعيم حزب الأساس، محسن المندلاوي، مجرد جلسات لتقسيم الحصص، بل كانت "قمة مصغرة" لرسم ملامح السياسة الخارجية والاقتصادية للمرحلة المقبلة. فبحسب مصادر مطلعة، بحث قادة الإطار التنسيقي مع الزيدي ثلاثة ملفات مفصلية: الملف النفطي، الوساطة الإقليمية، وتوزيع السياديات.
اللافت في الحراك الحالي هو استحضار "إشراقة كانون" لتحذيرات المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف. فقد ذكّر النواب المعارضون بخطاب 4 تشرين الثاني 2024، الذي شدد على أهمية "الكفاءة والنزاهة" ومكافحة الفساد. ويرى مراقبون أن العودة إلى "مناصب الترضية" تعكس تجاهلاً واضحاً لتلك التوصيات، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة الشعبية بالعملية الديمقراطية برمتها.
بين إصرار الإطار التنسيقي على استكمال مشروعه الحكومي، وتحذيرات القوى الناشئة من "الاستئثار غير المسؤول"، يجد علي الزيدي نفسه في موقف لا يحسد عليه. فهو مطالب بإرضاء حلفائه بـ"حقائب مستحدثة"، وإقناع الشارع والبرلمان ببرنامج "إصلاحي". إن تقديم 14 وزيراً كـ"جرعة أولى" قد ينجح في تمرير الحكومة قانونياً، لكنه سيترك الباب مفتوحاً أمام صراعات سياسية مريرة بعد موسم الحج حول "الحصص المتبقية". العراقيون اليوم لا يراقبون الأسماء فحسب، بل يراقبون الميزانية التي ستُنهكها "رواتب ومخصصات" مناصب استُحدثت لإرضاء الساسة لا لخدمة الناس.