|
|
د. حسين الهنداوي : «مرسوم نانت» والمشكلة الطائفية في العراق
"مرسوم نانت عراقي ضرورة مستقبلية"، دعوة اطلقها قبل سنوات المؤرخ العراقي الدكتور سيار الجميل مثيرا العجب العميق بل العتب لما في الدعوة من اختزال قسري لجوهر المشكلة الطائفية في العراق و"تجريد" يمنحها تعقيدات مستقدمة بثمن صعب من تجارب مغايرة انما غير ضرورية بتاتا، لاعتقاده بان العراق الراهن يمر (او كان يمر قبل حفنة اعوام) في ظرف تناحر دموي مذهبي قاهر وقدري ومصيري بين طائفتين شيعية وسنية، مشابه لما مّرت به فرنسا ابان القرن السادس عشر بين الطائفتين الكاثوليكية البروتستانتية. والادهى انه يعتبر المرسوم المنشود بمثابة "الحل التاريخي لكل مشكلات العراق" و"مرسوم نانت"، هو مرسوم اصدره ملك فرنسا هنري الرابع في مدينة "نانت" في 1598 منح البروتستانت والكاثوليك حق المساواة أمام القانون وادى الى ايقاف الحروب الدينية الدموية التي استمرت أربعة عقود متتالية وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الابرياء الذين قتلوا ونحو نصف مليون شخص اضطروا على الهرب نهائيا من ديارهم الى دول مجاورة او عبور المحيطات الى القارات الاخرى لا سيما الى افريقيا الجنوبية والى اميركا، حيث كونوا ثروات طائلة ومشكلين طلائع المستعمرين الاوربيين في العصر الحديث. بلا ريب لدينا، ان الدعوة هذه هي محض اجتهاد نبيل الهدف والمنطلق ما دامت تقوم على الانتصار للعقل على التعّصب. بيد انها متعجلة وغير مبررة تاريخيا او علميا في نظري وضارة على المستوى الآني والبعيد. بكلمة اخرى ليس هناك امكانية للمقارنة على الاطلاق بين المشكلتين وهذا ما شخصه قبلنا الكاتب ضياء الجصاني في مقال بعنوان "مرسوم نانت بين فرنسا الاقطاع الكنسي وعراق العولمة". اذ بالفعل سرعان ما نسيت الدعوة لتهافتها بعد زمن قصير لا تتجاوز سنواته عدد اصابع اليد الواحدة لسبب اساسي ووحيد في الواقع وهو عدم تماثل الحالتين على الاطلاق برأينا اي بين النزاع الديني في فرنسا القرن السادس عشر والمشكلة الطائفية في عراق اليوم. بلا شك، ان مصدر المشكلة في الحالتين يظل في الجوهر نزاعا على السلطة والثروة، الا النزاع السني الشيعي في العراق خاصة هو بين نخب اجتماعية عادية من جماعتين مسلمتين قديمتين تسعى لاكتساب شرعية ما عبر تأسيسه او تحويله كنزاع فقهي ظاهريا فيما النزاع الكاثوليكي البروتستاني في فرنسا مؤسس على نزاع بين نظامين قديم يمثله تحالف البوربونية مع الكنيسة الكاثوليكية، وجديد بكل معنى الكلمة تمثله النهضة القومية الاوربية المباركة من البروتستانتية. ويعزز رأينا ربما، هو ان "مرسوم نانت" فشل فشلا ذريعا في حل النزاع الكاثوليكي البروتستانتي ولم يعد الا هدنة داخلية قصيرة برغم دوره التاريخي الأكيد في "انهاء" الحروب الدينية في فرنسا تلك فما الفائدة من استلهامه اذن؟ الاشكالية لفهم هذا التصور تكمن في معرفة اعمق للمشكلة الفرنسية موضع المقارنة هنا. ففي عام 1685 اقدم ملك فرنسا لويس الرابع عشر على الغاء المرسوم الذي كان جده هنري الرابع قد اصدره، وتمّ بموجبه وضع اسس التعايش السلمي بين الطائفتين الفرنسيتين الكاثوليكية والبروتستانتية بعد سلسلة من الحروب الدينية لم تحسم فيها الكنيسة الكاثوليكية المعركة ضد البروتستانتية برغم انها كانت تحظى بانحياز الملك الى جانبها وبولاء الاكثرية الساحقة في سكان المملكة البوربونية تلك حيث لم يكن البروتستانت يمثلون إلا 10 % من سكان فرنسا مقابل 90 % من الكاثوليك. وفي الواقع، كان مرسوم نانت يحمل في ذاته بذور فشله، لانه لم يكن سوى اجراء طارئ ومتعجل فرضه الملك لاهداف اخرى غير حل مشكلة الصراع الديني الذي صار ينخر فرنسا، واهمها كان تعزيز مجده الشخصي وتحقيق وحدة البلاد تحت قبضته استعدادا للتفرغ لاستكمال هيمنته عليها وللانطلاق في سياسته الخارجية التوسعية. ويتكون مرسوم نانت من 92 بنداً اصلياً مع ملاحق وتكملات وشروحات تنظم جميعاً طبيعة التوازن بين الاكثرية الكاثوليكية والاقلية البروتستانتية على اساس اعتبار الكاثوليكية الديانة الرسمية للدولة وبالتالي فان جميع السكان يحترمون شعائرها الرسمية ويلتزمون بالقبول بسيادتها. مقابل ذلك يعطي المرسوم للبروتستانتية جملة من الضمانات التي تسمح لها بممارسة طقوسها الدينية علناً في المناطق التي تشكل فيها اكثرية السكان، وسرا في غيرها من المناطق. كما يقر لهم بمساعدات مالية يتعهد بها الملك وغيرها من الضمانات والمكاسب. وفي لحظة كان فيها فرنسا ممزقة بسبب هذا النزاع وكانت الاطراف – لاسيما الكاثوليكية – منهكة بآثاره، بدا الاتفاق على المرسوم اضطراريا خصوصاً بعد ان القى الملك هنري الرابع بكل ثقله الشخصي لصالح تمرير المرسوم. لكن وبعد سنوات قليلة ستتغير مواقف الكنيسة الكاثوليكية وتنقلب على قبولها بالتعايش السلمي مع الاقلية البروتستانتية وتوظف كل جهدها من اجل الغاء مرسوم نانت وارغام اتباع البروتستانتية على "الهداية" واعتناق المسيحية الكاثوليكية ونظراً لرغبته في الحصول على ولاء الكنيسة ابدى الملك بعض التواطؤ لها في هذا الانقلاب. لكن موت هنري الرابع – البروتستانتي سابقاً – سيعقبه صعود لويس الثالث عشر على العرش. وكان هذا ملكاً يكره البروتستانتية اصلاً لكنه لم يتجرأ على الغاء مرسوم نانت انما قام بشن عدة حملات عسكرية لقمع القوى البروتستانتية المتمركزة في الجنوب تمكن في آخر الامر، في عام 1623، من القضاء عليها نهائياً وراح يحرر المرسوم بعد المرسوم للتنصل من البنود الايجابية في مرسوم نانت بالنسبة للبروتستانت. وهكذا من 1623 حتى موته في 1643 سينهج لويس الثالث عشر هجمات مختلفة صبت في تحقيق الهدف الذي وضعته الكنيسة الكاثوليكية نفسها وهو توحيد فرنسا دينياً باستئصال البروتستانتية. وكان ينبغي مجيء لويس الرابع عشر الى الحكم ليواصل هو ايضا حملاته ضد البروتستانتية بشكل لم يتوقف على قتل مرسوم نانت وضماناته عملياً حتى القيام في عام 1685 بالغائه بمرسوم جديد هو مرسوم الالغاء، او (مرسوم فونتين بلو) الذي طبق بقسوة شديدة. البشاعة التي تم عبرها تنفيذ هذا الاجراء كانت محسوبة النتائج بالنسبة للويس الرابع عشر الذي رأى وجود هذه الاقلية المنطوية الى كنيسة غير كنيسته خطراً على الوحدة السياسية لفرنسا. ولهذا لم يتردد في الحكم بنفي ومطاردة جميع هؤلاء الذين يؤمنون بأفكار غير افكاره ويدينون بغير دينه. كما ان الكنيسة الكاثوليكية ساهمت بشكل قاس في انتزاع البراءات الدينية من البروتستانت ونظمت لهم الحملات الاجبارية لاعتناق الكاثوليكية. غير ان الاهداف التي كانت تقف وراء الغاء مرسوم نانت كانت اهدافاً سياسية في الاساس والجوهر وهي رغبة لويس الرابع عشر بفرض سلطته المطلقة ودكتاتوريته الصارمة على كل شيء في المملكة. وهذه الرغبة سيدفع ثمنها البروتستانت الفرنسيون بشكل خاص. فمرسوم (فونتين بلو) لم يكن مجرد وثيقة تشريعية تنظم بشكل قانوني هذه السلطة المطلقة والدكتاتورية لذلك الملك المتأله، انما اشارة الى شن هجوم واسع اعطاها بنفسه لتصفية ذلك المظهر الوحيد من التعددية في المجتمع الفرنسي، اذ تمخض الهجوم عن مطاردات واسعة وقمع لا مثيل له وتصفية بشعة ليس لكل ما هو بروتستانتي فرنسي وحسب بل لكل ما هو مختلف. فالعشرات من الكتاب والفنانين والعلماء شأن جميع القسس البروتستانت هربوا او اجبروا على التشرد في البلدان الاخرى، وآلاف طويلة كانت تضطر الى التنكر لدينها او التبرؤ من افكارها لانقاذ رأسها ناهيك عن الخسائر المادية الجسيمة التي وقعت على الطائفة البروتستانتية وعلى فرنسا بالذات لان الاقتصاد الفرنسي سيجد نفسه يتعرض الى ضربة قوية بخسارته لتلك الاوساط المهمة من البروتستانت الذين عرفوا بنشاطهم وحيويتهم الاقتصادية والعلمية الفعالة وهذا ما يفسر الترحيب الذي لاقوه في بعض بلدان المهجر لان هذه البلدان كانت تعرف بأنها تستقبل طاقات نافعة لاقتصادها وتطورها. ولقد كان الغاء "مرسوم نانت" في 1685 حدثاً فريداً في تاريخ الدولة والتشريع الفرنسي وعدواناً لا نظير له على مفهوم الحقوق وتطبيقاته. فالتنكيل المدني والديني بالطائفة البروتستانتية شمل كل التيارات الاحتجاجية والنهضوية الفرنسية وغدا عدواناً على مفهوم العدالة التي طالما تباهت فرنسا بتمجيده في كل عصورها. فهل يمكن تخيل نتائج "الغاء مرسوم نانت عراقي" قدر له ان يوجد يوما؟ * كاتب وأول رئيس لمفوضية الانتخابات في العراق
وليد خالد | 28-07-2010
حازم عبد الحميد النعيمي | 28-07-2010
| |