|
|
«مذكرات فرح بهلوي»: من اوساط الشعب الى عرش الملوكية الى طريدة في المنفى (6)
في مراهقتي حصلت على المراكز الأولى لبطولات الرياضات النسائية
المذكرات ليست من علم التاريخ في شيء، ولكنها شيء من التاريخ، ووثيقة معتمدة في العلم. وهي تكتسب اهميتها من موقع صاحبها في التاريخ. والملكة فرح بهلوي كانت على موعدين مع التاريخ، الاول محلي يخص بلادها حين توجت ملكة على ايران عام 1959، والاخر اقليمي ودولي عندما وجدت نفسها وسط عاصفة الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 . وهي 20 سنة غنية للغاية في تاريخ ايران والمنطقة والعالم. ورواية فرح لتلك الأعوام يختلط فيها الشخصي بالعام، المحلي بالعالمي. هي رواية احداث ووقائع اكثر مما هي قصة افكار وآراء. وكامرأة فانها تدقق في تفاصيل صغيرة، ولكنها موحية ومعبرة، تغيب عادة عن مذكرات السياسيين. وهو جانب منح المذكرات بعد الألفة، الحميمية، والقرب من الحياة على طبيعتها. وبمقدار ما جاءت القصة تعبيرا عن حياة شابة من اوساط الشعب، انتقلت فجأة لتصبح ملكة، ثم طريدة مع زوجها الملك في المنفى، فهي ايضا مثلت رؤية لتاريخ ايران وهي تنتقل من القرون الوسطى الى العصر، ومن ثم الى واحدة من اهم ثورات القرن العشرين وأكثرها اثارة لجدل تواصل حتى يومنا. ومهما يكن الرأي في رواية فرح ديبا، والنظام السياسي الذي تمثله، فانها جاءت مشوقة، مثيرة، وثرية. انها على اي حال مذكرات ملكة، وملكة لم تكتف بالجلوس على العرش، والاكتفاء بأن تكون ظلا لزوجها، وانما مارست ادوارا في السلطة والمجتمع. ولكل ذلك اختارت " العالم" اعادة نشرها مسلسلة في حلقات. الشاعر "حافظ" هو من يكون معك عند الشدائد، ومن يمنحك القوة لتتغلب على الحزن والألم، أو لتتقبل حياتك مثلما هي، إذا لم تستطع تغييرها. وهو أيضاً من كتب: "إن كان عليك أن تعبر الصحراء لتصل إلى هدفك، امض، دون أن تلق بالأشواك الجارحة". وكانت أمي مولعة بالشعر، مع كل حدث يقع في حياتها ترد إلى ذهنها قصيدة، فترددها، ويشع وجهها فجأة بالنور. وتكون سعادتي حينها عندما استطيع أن أرد بقصيدة أخرى. وكانت أكثر من لعبة، فهي وسيلة لكي نعترف أننا مجرد عابرين على هذه الأرض، ونشارك مفكرينا الحكمة في تواضع. أحببت أيضاً "سعدي" وهو شاعر آخر من "شيراز"، ومولانا "جلال الدين الرومي"، و"عمر الخيام"، وشعراءنا المعاصرين: "فروق فروخزاد"، و"فيريدون موشيري"، و"صهراب سبهري"، وكثيرين غيرهم. وبمرور الموقت، صار بيتنا أقل كآبة، رغم أن الحزن على رحيل والدي ظل كامناً داخل كل منا. عشنا طويلاً داخل دائرة أبناء الأقارب في العائلة، والأعمام والأخوال، والعمات والخالات، والآن جيء بأصدقاء المدرسة إلى البيت، وهو ما أثرى حياتنا بوجه عام. وكان لدي الكثير من الصديقات، وتعاملت بصورة جيدة مع الأولاد، والأكثر من ذلك، تمتعت بحب غير محدود من الكبار المحيطين بي. وبعد فترة، بدأت اقلق من ذلك، لماذا يتعامل معي الجميع بهذا القدر من المراعاة؟! لم اعتقد أنني أكثر ذكاء أو جاذبية من الآخرين، فسرعان ما كنت أشعر إذا أبدى أحد الكبار اهتماماً بالغاً بسعادتي، ان ذلك ليس بسبب مظهري أو جاذبيتي الشخصية، ولكن لأن والدي لم يعد موجوداً، وهم ببساطة يشفقون علي، وأقلقني ذلك عدة شهور، وتأرجحت دائماً بين الميل لقبول هذه الدلائل على المحبة، وبين صوت داخلي يهمس لي ألا يجب أن اصدق هذه الأمور التي يسعدني سماعها. في نهاية الأمر تغلبت على قلقي. غير أنني مازلت أميل إلى الشك فيما يسدى إلي من مجاملات. ولهذا السبب عندما أصبحت ملكة لم اثق أبداً بالمتملقين والمتوددين. ونادراً ما كنت اصدق ما يقولون، على الرغم من أنني كنت أخدع من حين لآخر. واعتقد أن عادة الشك ساعدتني على الوقوف على أرض صلبة. فأنا اعتبر التملق مع عدم الإخلاص إهانة لذكاء المرء، ونوعاً من أنواع الخداع. لا أكذب من يجاملونني، لعدم رغبتي في إيذاء مشاعرهم، لكن ذلك يضايقني. رموز الدنيا في نوروز وجاءت مشاعر البهجة المشتركة في عطلات الإيرانيين، في أيامها المعتادة منذ آلاف السنين، كما لو أنها ترينا أن الحياة يجب أن تستمر رغم أي شيء. ولاشك أن أهم هذه العطلات "النوروز" "ومعناها الحرفي: (اليوم الجديد) الذي يسبقه معظم الاستعدادات، وهو رأس السنة الذي يقع أول أيام الربيع. وينمي هذا الاحتفال دائماً الانسجام العائلي، فنحن – الأطفال – نحتفل به معاً في بيت العائلة الكبير، وهي مناسبة يتبادل فيها الآباء والأبناء إظهار مشاعر الحب بينهم بطرق مختلفة كثيرة. وتستمر العطلة وقتاً طويلاً. حيث يبدأ التنظيف الربيعي للبيت من أعلاه لأسفله قبلها بأسبوعين، لأن "النوروز" أساساً رمز للتجدد؛ فأنت تقلب صفحة الماضي، وتغتسل، وترتدي ثياباً جديدة، وتنظف المنزل لتستهل فترة جديدة بحالة ذهنية جديدة. وتمثل جميع أعمال المنزل هذه أولى علامات الإثارة التي ستقلب مجتمعنا الصغير رأساً على عقب، وبمجرد أن ينظف البيت يبدأ الإعداد الطويل للحلوى الرائعة. ولذلك أحببنا التجمع في منزل خالتي "أمجد" التي يعمل لديها طاه ممتاز. فنتخذ جميعاً أماكننا في حجرة نوم كبيرة بالبدروم حتى نستطيع أن نساعده. ويمكن أن يستمر الطهي عدة أيام. وأخيراً، نعد المائدة قبل يوم من الاحتفال، وتقدم رموز جميع الأنواع من السعادة في الدنيا يوم "نوروز" :البيض رمز الميلاد، والثوم رمز الصحة، وفواكه مجففة صغيرة رمزاً للحب، والتفاح رمزاً للحب، وعملات ذهبية رمزاً للرخاء، وشموع ومرآة رمزاً للنور، وقمح نابت في وعاء بديع رمزاً للنمو، وثمرة النارنج في سلطانية بها ماء رمزاً لقدرة الأرض على التحمل، فضلاً عن زهرة الياقوتية رمزاً لحياتنا القصيرة على الأرض. وأخيراً الكتاب المقدس، طبقاً لديانة العائلة. ويختلف موعد الاعتدال الربيعي من عام لعام، ولكن عندما يأتي الموعد، يتجمع أفراد العائلة حول المائدة. يتبادلون القبلات والمجاملات، وأمنيات طيبة للعام الجديد، وعادة ما يقدم الكبار أموالاً في صورة قطع معدنية أو أوراق نقد جديدة للأطفال. وفي يوم النوروز يصبح البلد بأكمله في حالة احتفال. وتقليدياً نزور أكبر الأفراد سناً في العائلة أولاً، وبعد ذلك الباقين – الأجداد، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وابناء الأقارب – لذلك سرعان ما تعم بلدات إيران فورة من النشاط، وتغمرها الفرحة من كل ناحية. وجماعات الأسر في ثياب زاهية، يجيء أفرادها ويروحون والزهور في أيديهم، ويضحكون عندما يلتقون، ويقدم كل منهم للآخر الحلوى، وتستمر هذه الحركة حتى مغيب الشمس. وبعد ذلك ثلاثة عشر يوماً اسمها "سيزدا"، يجب أن نقضيها خارج المنزل، حيث يعتبر البقاء في المنزل خلال تلك الفترة جالباً للنحس. وفي هذه الأيام الثلاثة عشرة من العام، يذهب الجميع لنزهات خلوية؛ الأثرياء يذهبون إلى الريف في سيارات محملة بالطعام. والأقل ثراء يقيمون في الشوارع أو على ضفة جدول. فيفرشون سجادتهم تحت شجرة "الدّلب"، ويجهزون عدة صنع الشاي، ويعزفون الموسيقى، ويطبخون شوربة الشعيرية "آشي رشتي" والكباب على نيران فحم نباتي مشتعل تحت الأشعة الأولى لشروق شمس الربيع. وفي كل مكان عازفون على "التومباك" (الطبلة)، و"التار" (قيثارتنا)، و"السورنا" (نوع من أنواع البوق). ويعتبر "ٍيزدا" أجمل وقت لتناول الطعام خارج البيت في طهران؛ فحرارة الجو ليست مرتفعة، وقمم "ألبورز" مازالت تعلوها الثلوج، فتغمر البلدة بضوء ناعم وصاف. وقبيل الغروب، ينبغي إلقاء القمح النابت، في مياه جارية ليجلب سنة سعيدة. اعتدنا أن نؤدي هذا الطقس مع والدتي، وحتى اليوم، بعيداً عن بلدي، تحمل أنهار أخرى حبوب قمحي النابتة. واذكر ذات مرة في الولايات المتحدة، كنت بالمنفى ولا أعرف إلى اين أذهب، قررنا أن نلقي الحبوب في البحر. ولكن الشاطئ كان مغلقاً، ووجد رجال الأمن المراقبين لي أنفسهم في مواجهة حارس الشاطئ. واضطررت أن اشرح للرجل أنه تقليد يخص رأس السنة الإيرانية – يحمل الأميركيون احتراماً كبيراً للتقاليد – فسمح لنا أن نذهب إلى حافة الشاطئ حيث الماء. ربما سنعطيك للشاه! وقبل "النوروز" نحتفل أيضاً بالثلاثاء الأخير من العام، "شهر شانبه سوري". وفي هذه المناسبة عليك أن تقفز فوق نار. وترمز الحركة لسحب كل ما هو سلبي من جسد المرء وروحه إلى اللهب، ونيل الدفء والنور بدلاً منه. واعتدنا ان نوقد النار لهذه المناسبة في حدائق "طهران"، أو في الريف، أو في الشوارع إذا لم يكن هناك مكان آخر متاح. وهو طقس مسل، حتى أنني اليوم أوقد ببساطة شمعة واقفز فوقها، بدلاً من أن أتخلى عن هذه التقاليد وهي جزء من هويتنا، كما لو أن تلك اللمحة الصغيرة سوف تثبت تراثي الإيراني وتمنحني القوة للتكيف مع ألم المنفى. بدأت أكبر. شيئاً فشيئاً أغادر الطفولة، تحت عيني والدتي اليقظة. وكنا نتشارك هي وانا أسبوعياً – بقدر ما أتذكر – طقس "الحمام"، فتعد حقيبة بها ملابسي النظيفة، ونذهب يداً بيد إلى الحمامات. وكنت أخاف هذه اللحظة كفتاة صغيرة، عندما تمسكني السيدة التي تحممني بقوة بين ساقيها حتى لا أهرب، فتلتهب بشرتي ويؤذي الصابون عيني. كان اسمها "توبا"، وأذكر أنها اعتادت أن تغني لتهدئني: "لن تتزوجي أي شخص، وإذا جاء الشاه مع جيشه ووزيره ليسأل عنك، فربما نعطيك له، وربما لا". وبمرور الوقت، بدأت أحب "الحمام" واحتفاله. تجمع كل منا الحقيبة، ونأخذ معنا أيضاً صينية مستديرة من الفضة لنجلس عليها، بالإضافة إلى وعاء نحاسي منقوش عليه أدعية "الدعاء الجامع"، لنسكب المياه على رأسينا في نهاية الحمام. وكان الغرض من الأدعية حمايتنا. ولأسباب صحية، لا نجلس مباشرة أبداً على الأرضية، وقيل للفتيات الصغيرات، إنهن إذا فعلن ذلك فسوف يصبحن حوامل. مازلت استطيع تذكر رعبي من هذا الاعتقاد السخيف. أحببت الآن "توبا" وهي تحك جلدي في نشاط بقماشة الاستحمام المصنوعة من شعر الخيل. أحببت هذه الجلسات الطويلة للعناية بالجسد، والشعور بالانتعاش. وفي بلدنا يعتبر "الحمام" أيضاً أحد الأماكن التي تنتقي منها الأمهات الفتيات اللاتي ربما ينلن شرف التقديم لأبنائهن، وربما امتياز أن يقع عليهن الاختيار. وذات يوم ذكرت أمامي امرأة من "أذربيجان" لصديقتها – معتقدة أنني لم أفهم لغتها – إلى أي مدى تراني جذابة: "بو جيز جوزال دي" بالتركية. منحني ذلك شعوراً غريباً بالرضا، وفضولاً جديداً حول المراهقة، التي صرتها. جوهرة متألقة حقيقية بدأت فترة مراهقتي في سن العاشرة، عندما التحقت بمدرسة "جان دارك" الفرنسية في "طهران". وسبق أن تتلمذت والدتي فيها، وأنا في غاية الامتنان لاختيارها هذه المدرسة من أجلي؛ ففي تلك المرحلة الانتقالية المهمة من حياتي، أمضيت أكثر النسوات ثراء التي يمكن للمرء أن يتمناها. ويرجع ذلك جزئياً إلى علاقتي براهبة شابة، هي الأخت "كلير"، التي غيرت مبادرتها من المدرسة القديمة كلياً. فعلى سبيل المثال شكلت الأخت "كلير" فريق كرة السلة، الذي سيحول في غضون سنتين أو ثلاث الطفلة المحافظة التي كنتها إلى فتاة واثقة من نفسها، سهلة المعشر. وما أن التحقت بمدرسة "جان دارك" حتى قررت الانضمام إلى الفريق، وهكذا وجدت نفسي وجهاً لوجه مع الراهبة الفرنسية النشيطة للمرة الأولى. وسأترك لها وصف لقائنا: "كنت قررت ألا آخذ سوى الفتيات اللاتي يسبقن "فرح" بسنتين دراسيتين. فعندما يكون الأطفال أصغر سناً، يبدؤون دائماً الأمور ولا يكملونها أبداً. غير أنني لا أعرف السبب، لكنه كان حباً من النظرة الأولى. شعرت بشيء مميز بيننا. فلدينا نفس المزاج، رغم أنها بدت أكثر اتزاناً. فتاة صغيرة أنيقة ونظيفة، ذات طلاقة في التعبير. ارتدت مريلة سوداء بياقة ذات حواف حمراء. لديها لمحة من البسالة مع نوع خاص من الحياء والتحفظ. كما كانت لبقة للغاية، جوهرة متألقة حقيقية. لم تتعثر أبداً عند أداء أي شيء. هي أول من تذهب لتحضر الكرة التي احتفظ بها دائماً في جناح الراهبات. كانت طفلة سعيدة بلا مشاكل، على الرغم من فقد والدها وهي طفلة صغيرة للغاية. وبالنسبة لها، اعتقد أنها أحبتني أكثر من بقية الأخوات، لأنني أتميز بالمبادرة والنشاط الشديد". وبعد عام واحد فقط، اختاروني قائدة لفريق كرة السلة. ولاشك أن ذلك بسبب قدراتي الرياضية، ولكنني اعتقد لطبيعتي السلسة ايضاً. كنت صريحة تماماً وتلقائية؛ لم أحب التكلف أو الجلبة، ولا أستمع للنميمة الخبيثة، ونتيجة لذلك صار الجميع – أو الجميع تقريباً – صديقاتي. وإذا أرادت إحداهن أن تضايقني لم أكن أعبأ، فقط اتركها دون كلام حتى تتجاوز الأمر. ونظراً لرئاستي لاعبات السلة في "جان دارك" سرعان ما اكتشفت أنني أصبحت بطلة، مثالاً للقدوة. وكان فريقنا يفوز دائماً في المباريات مع المدارس الأخرى، وبعد عدة شهور، حصلنا على لقب بطلات طهران. ونشرت الصحف صور مجموعة لاعباتنا، وكثيراً ما سمعت الأطفال يشيرون علي لآبائهم قائلين: "انظر.. إنها فرح!". كانت الأخت "كلير" تدعمنا، ونتخذها مثالاً. فخضت مسابقات أخرى؛ القفز الطويل، والقفز العالي، والعدو. وفي تلك المسابقات، حصلت على المراكز الأولى في البطولات النسائية عام 1954، وفزت بميداليتين وعلم إيراني صغير باسم الملك، تسلمتهم من يد الجنرال "عباس إزاد باناه" المسؤول عن الرياضة في إيران في ذلك الوقت. وما زلت أذكر الميداليتين وعليهما صورتا الملك والملكة "ثريا".
|
|