بغداد ـ العالم
دخلت العلاقة بين بغداد وواشنطن نفقاً جديداً من التوتر، بعد أن تحولت أروقة الاجتماعات السياسية لـ"الإطار التنسيقي" إلى ساحة مواجهة دبلوماسية غير مباشرة. ففي الوقت الذي يسعى فيه العراق لترسيخ استقراره السياسي عبر اختيار رئيس وزراء جديد، فجّر حضور "أبو آلاء الولائي"، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، في هذه الاجتماعات غضباً أميركياً عارماً. هذا الغضب لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع إدراج الجماعة ضمن قوائم الإرهاب الأجنبية ورصد مكافأة مالية ضخمة للقبض على زعيمها، مما جعل من تواجده في "مطبخ القرار" السياسي العراقي تحدياً علنياً للسياسة الأميركية، ووضع قادة الإطار أمام خيارات أحلاها مرّ.
وكشفت مصادر سياسية مطلعة عن وصول رسائل أميركية وصفت بـ"التحذيرية والأخيرة" إلى قادة الإطار التنسيقي. واشنطن، وعبر قنواتها الدبلوماسية، أعربت عن "انزعاج شديد واستغراب" من إشراك شخصية مطلوبة دولياً مثل السراجي (الولائي) في رسم ملامح الحكومة القادمة. الرسالة لم تكن مجرد عتاب دبلوماسي، بل تضمنت إنذاراً صريحاً بأن استمرار هذا النهج سيجبر الإدارة الأميركية على "إعادة تقييم شاملة" للعلاقة الثنائية.
ويرى مراقبون أن التلويح الأميركي بضرب الجانبين الأمني والاقتصادي يمثل أقصى درجات الضغط؛ فالعراق يعتمد بشكل حيوي على التفاهمات المالية مع الفيدرالي الأميركي لضمان استقرار عملته، فضلاً عن التعاون التسليحي والاستخباري. التهديد بعدم "التعاون الإيجابي" مع أي حكومة يشارك في صياغتها قادة الفصائل، يعني وضع الحكومة القادمة في عزلة دولية قبل أن تبدأ مهامها.
يأتي هذا التصعيد بعد أيام قليلة من إعلان برنامج "مكافآت من أجل العدالة" عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن الولائي. إصرار الإطار التنسيقي على إشراكه في الاجتماعات العلنية يُقرأ في واشنطن كـ"تجاهل متعمد" لطبيعة الشراكة الاستراتيجية، بينما يراه حلفاء الفصائل تأكيداً على "السيادة الوطنية" وعدم السماح للخارج بالتدخل في هوية المشاركين في العملية السياسية.
وباتت القوى المشكلة للإطار التنسيقي اليوم أمام معضلة حقيقية؛ فإما المضي في إشراك قادة الفصائل كجزء أصيل من القرار السياسي وما يترتب على ذلك من عقوبات أو جفاء دولي، وإما محاولة "تحجيم" هذا الحضور العلني لضمان سلاسة نيل الحكومة الجديدة للقبول الأميركي والدولي.
وتعيش قوى الإطار التنسيقي خلافات متصاعدة بشأن حسم مرشح رئاسة الوزراء، بعد فشل الاجتماعات البينية بين رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني في التوصل إلى تفاهم بشأن انسحاب أحدهما من السباق.
وأفاد مصدر سياسي مطلع، الأحد، بأن الطرفين تمسكا بحق الترشح، رغم محاولات تقريب وجهات النظر، فيما طُرحت خلال اجتماعات متأخرة أسماء بديلة، بينها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وإحسان العوادي، بوصفهما مرشحي تسوية.
ووجه قيادي في ائتلاف "الإعمار والتنمية"، رسائل سياسية حادة بدت موجهة إلى قوى في الإطار التنسيقي، مؤكداً أن مشروع الائتلاف "واضح وناجح"، فيما وصف مشاريع الخصوم بأنها "مجهولة".
وقال قصي محبوبة، إن ائتلافه هو "الفائز انتخابياً على المستوى الوطني"، وإنه قبل العمل ضمن الإطار "انطلاقاً من المسؤولية الوطنية وحرصاً على استقرار الدولة".
وأضاف أن الاستحقاقات الدستورية اكتملت من دون انتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية، معتبراً أن الائتلاف أوفى بالتزاماته، بينما واجه ما وصفه بـ"التسقيط والتشكيك".
وتابع: "قدمنا الحلول والمبادرات فقابلتموها بالتحجر والحسابات الضيقة"، مضيفاً أن مشروعهم "واضح ومرشحنا ناجح وهدفنا العراق أولاً".
وفي تصعيد مباشر، قال محبوبة مخاطباً خصومه: "أما مشروعكم فمبهم، ومرشحكم مجهول، وغايتكم مصالح ضيقة لا تشبه طموح الشعب"، مؤكداً أن الشعب والتاريخ سيحاسبان الجميع على اختياراتهم.
وختم محبوبة بالقول إن العراق "أكبر من المناورات"، وإن مشروعهم سيستمر وسيكون "أبقى من المصالح وأقوى من كل محاولات التعطيل".
فيما كشف زميله في الائتلاف عن قرب حسم الإطار التنسيقي لمرشحه النهائي لرئاسة الوزراء.
وفي ما يتعلق بالحديث عن إجراء انتخابات مبكرة، أوضح أن "بعض الأطراف التي تطرح هذا الخيار تدرك أن الذهاب إلى مجلس النواب في الوقت الراهن لا يصب في مصلحتها، لاسيما أن أحجامها الانتخابية لا تمكنها من تمرير مواقفها داخل البرلمان".
كما تابع وليد، قائلاً إن "التزام القوى السياسية، سواء ضمن الفضاء الوطني أو داخل الإطار التنسيقي، بتحقيق إجماع ولو بالحد الأدنى لضمان وحدة القرار السياسي، يواجه حالياً عقبات واضحة تعرقل الوصول إلى تفاهمات نهائية".
وختم حديثه بالقول إن "ائتلاف الإعمار والتنمية سيكون له موقف واضح، مع طرح بدائل في حال الإخفاق بحسم اسم المرشح المكلف، على أن تُعلن تلك الخيارات في وقت لاحق".