بغداد – العالم
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد القراءة حكراً على رفوف المكتبات العامة أو أروقة الجامعات، بل انتقلت بشكل واسع إلى الشاشات، حيث باتت المكتبات الإلكترونية، خاصة بصيغة (PDF)، الوجهة الأولى للعديد من الطالبات والباحثات. هذا التحول، الذي فرضته السرعة وسهولة الوصول، بدأ يلقي بظلاله على واقع المكتبات التقليدية، مهدداً دورها الثقافي والتعليمي، ومثيراً تساؤلات حول مستقبل الكتاب الورقي.
في هذا السياق، تقول الطالبة الجامعية ضي عباس، وهي في المرحلة الرابعة، إن اعتمادها على المكتبات الإلكترونية أصبح أمراً شبه يومي، خاصة مع اقترابها من إعداد بحث التخرج. وتوضح في حديثها أن البحث عبر مكتبات الـPDF يوفر الوقت والجهد، إذ يمكن الوصول إلى مصادر متعددة خلال دقائق، مقارنة بما يتطلبه البحث التقليدي داخل المكتبات. لكنها، رغم ذلك، تؤكد أن هذا التحول لا يعني التخلي الكامل عن الكتاب الورقي، الذي ما يزال يحتفظ بمكانته الخاصة لدى كثير من القرّاء.
من جانبها، تكشف أمينة إحدى المكتبات الجامعية، رفاعة السعدي، عن واقع مختلف داخل المؤسسات التقليدية، مشيرة إلى أن المكتبات ما تزال تحتفظ بكتب في مجالات مثل الشعر والسياسة والتاريخ والجغرافية، لكنها تعاني نقصاً واضحاً في الكتب العلمية الحديثة، ما يضعف قدرتها على تلبية احتياجات الطلبة. وتلفت إلى أن غياب التحديث والدعم اللوجستي يجعل بعض المكتبات عرضة للتهميش، مؤكدة أن تطوير الخدمات يعد شرطاً أساسياً لاستعادة دورها وجذب الرواد من جديد.
أما الأكاديمية المتخصصة في التاريخ القديم، وسن صالح، فتنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ ترى أن الكتاب الورقي لا يُقاس فقط بمحتواه، بل بتجربة القراءة ذاتها. وتصف متعة البحث عن المصادر الورقية بأنها جزء من رحلة علمية وثقافية، قد تصل أحياناً إلى السفر بين المحافظات للحصول على مرجع معين، وهو ما تفتقده الكتب الإلكترونية التي، رغم سهولتها، لا تمنح القارئ ذات الإحساس.
بدورها، تشير التدريسية أحلام محمد إلى أن التطور التكنولوجي، رغم إيجابياته، أسهم في تراجع بعض المظاهر الثقافية المرتبطة بالكتاب الورقي، مثل المكتبات المدرسية. وتوضح أن بعض المدارس ما تزال تهتم بهذا الجانب وتوفر بيئة مشجعة للقراءة، في حين تفتقر مدارس أخرى، خاصة في المناطق الريفية، إلى مكتبات حقيقية، أو تكتفي بكتب قديمة لا تلبي احتياجات الطلبة. وترى أن هذا التفاوت يعمّق الفجوة الثقافية، ويؤثر سلباً على علاقة الطلبة بالقراءة.
وتشدد محمد على أهمية إعادة الاعتبار للكتاب الورقي داخل المؤسسات التعليمية، من خلال تشجيع الطلبة على زيارة المكتبات والبحث في مصادرها، لما لذلك من دور في تنمية مهارات البحث وتعزيز الشغف بالقراءة. فالتجربة الورقية، بحسب رأيها، لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تسهم في بناء علاقة وجدانية مع الكتاب، تفتقدها الوسائط الرقمية.
وبين مزايا السرعة التي توفرها المكتبات الإلكترونية، وخصوصية التجربة التي يقدمها الكتاب الورقي، يقف القارئ اليوم أمام خيارين لا يتناقضان بالضرورة، بل يمكن أن يتكاملا. غير أن استمرار تراجع دور المكتبات العامة، في ظل غياب التحديث والدعم، قد يؤدي إلى خسارة فضاءات ثقافية كانت، لعقود طويلة، منابر للمعرفة والتفاعل الاجتماعي.
يبدو أن التحدي لا يكمن في صراع بين الورقي والرقمي، بل في قدرة المؤسسات الثقافية على التكيف مع الواقع الجديد، عبر تطوير خدماتها، وتحديث محتواها، ودمج التكنولوجيا في عملها، بما يحافظ على حضورها في حياة الأجيال القادمة، ويمنع تحولها إلى مجرد ذكرى في زمن الشاشات.