ابراهيم العريس
بين التناول الاحتفالي والدرس المتعمق، يأتي اختيار نجيب محفوظ (1911-2006) في ذكرى رحيله الـ20 شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، خلال الفترة من الـ21 من يناير (كانون الثاني) الجاري إلى الثالث من فبراير(شباط) المقبل. ويعتمد بوستر المعرض صورة لمحفوظ إلى جوارها عبارة منسوبة إليه: "من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قروناً".
وبمجرد إقرار هذا الاختيا، تتفجر سلسلة من الأسئلة: ما الأهم للباحثين والدارسين والناشرين حيال مناقشة أدب محفوظ؟ ما الجوانب الثرية التي لم تستنفد بحثاً بعد، وهل الوقت كاف لذلك، أم ستقع بعض الأطروحات في فخاخ التسرع والسطحية والتكرار؟ وكيف يمكن تقديم معالجات مبتكرة لاستكشاف عالم محفوظ، بما يفيد القراء ويحقق أهداف الناشرين والمترجمين أيضاً، الحريصين على إضاءة جوانب جديدة من أدب محفوظ؟
تدافع الهيئة المصرية العامة للكتاب، المنظمة للمعرض، عن هذا الاختيار ضمن سياق الاحتفال بالذكرى الـ20 لرحيل محفوظ، خصوصاً أنه لم يُختر من قَبل شخصية للمعرض، وهناك مجالات وزوايا متنوعة لا تنتهي في تناول أدبه وعالمه، من خلال الندوات والمناقشات وفنون الكاريكاتير والمعارض التشكيلية وغيرها، بما لا يعني استنساخاً لأنشطة ومؤتمرات سابقة في هذا الصدد.
التحدي والحوار الحي
ترى الكاتبة والمترجمة سلوى جودة الأستاذة في كلية الآداب جامعة عين شمس، أن جوهر التحدي في مناقشة أدب محفوظ اليوم هو كيف نخرجه من متحف التكريم إلى ساحة الحوار الحي وفق رؤية معاصرة، فكثير من المناقشات السابقة وقعت في شراك التكرار والوصف، أو اختزلت أعماله في مقولات جاهزة مثل "روائي الحارة المصرية" أو "الملتزم اجتماعياً"، مما أفقدها القدرة على الكشف عن طبقاتها العميقة. وضروري التحرر من "التابوهات" النقدية التقليدية والغوص في مناطق أقل استكشافاً في نصوصه، فمحفوظ ليس مؤرخاً للحارات فحسب بل هو فيلسوف تأمل في مسارات التاريخ البشري، فلنقرأ مثلاً رؤيته لقوانين القدر والصراع بين الإرادة الفردية والقوى الاجتماعية المهيمنة في أعمال مثل "الحرافيش" و"أولاد حارتنا" و"المرايا". إن فلسفته حول دور "الرجل العظيم" في التاريخ وتكرار دورات الظلم والثورة، في حاجة إلى قراءة تتجاوز السياق المحلي إلى الإنساني الكوني.
وتشير سلوى جودة إلى أنه غالباً ما تختزل شخصيات محفوظ النسائية في صورة "المرأة المضطهدة" أو "المرأة القوية"، ولكن نساءه أكثر تعقيداً وإثارة، فهن فاعلات في التاريخ ومفكرات وضحايا لنظام أبوي، ولكنهن يملكن إرادة مريبة وغامضة. ومن ثم، فإن قراءة تمثيلاته للجسد الأنثوي والرغبة والسلطة داخل الأسرة عبر عدسات جندرية معاصرة ستكون غنية.
وتستطرد: كيف يصور محفوظ انهيار اليقينيات وهشاشة البنى الأخلاقية في مواجهة التحولات الكبرى؟ شخصيات مثل عباس الحلو أو عيسى الدباغ أو سعيد مهران تحمل هشاشة إنسانية تحتاج إلى تحليل نفسي واجتماعي عميق. وهناك جانب مهمل لتجريب محفوظ السردي، في "المرايا" و"حديث الصباح والمساء" و"رحلة ابن فطومة"، فلديه لعبة بارعة مع الزمن، والرواية كشكل، والعلاقة بين السارد والمروي، هذه التقنيات التي سبقت عصرها في العربية تحتاج دراسة مقارنة مع الرواية العالمية المعاصرة. والهدف النهائي يجب أن يكون إنتاج قراءات مبتكرة تلامس هموم القارئ العربي المعاصر، وتقدم محفوظ للقارئ الغربي ليس كـ"دليل سياحي" على القاهرة التاريخية فقط – وهي صورة نمطية علقت به – بل كفيلسوف إنساني عالمي شغلته أسئلة الوجود والحرية وعبثية التاريخ وصراع المثالي والواقعي، وهي أسئلة تخاطب القارئ في أي مكان. ويلتقط خيط الحديث سيد إسماعيل ضيف الله أستاذ النقد الأدبي المساعد في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، موضحاً أن الدراسات الكثيرة عن أعمال نجيب محفوظ متفاوتة في درجات الإجادة والتميز، فهو اسم جاذب لكبار الباحثين وصغارهم. ومن الدراسات المتميزة مثلاً ما قدمته سيزا قاسم بتطبيق المنهج البنيوي، وما كتبه إبراهيم فتحي عن عالمه الروائي مقارناً بين القصة والرواية الملحمية عنده، إضافة إلى كتابات غالي شكري في "اللامنتمي"، ويحيي الرخاوي حول أعماق النفس البشرية في عالم محفوظ، وحسين حمودة ومحمد بدوي وغيرهم.
وبحد ضيف الله، فمن الممكن تقديم مفاتيح لمن يتخيل أن محفوظ قتل بحثاً، ولا جديد تحت شمسه، فهناك حاجة مثلاً إلى دراسات رفيعة تتناوله من زوايا: النقد الثقافي والنقد النسوي والنقد البيئي، والأهم أن تُتناول أعماله تناولاً يتجاوز أحادية النوع الأدبي والفني إلى الدراسات البينية، إذ تثري الدراسات البينية المقاربات النقدية إذا كانت ذات أساس منهجي راسخ وواضح في أذهان الباحثين القادرين على تجاوز النظرة الضيقة للتخصص في نوع أدبي أو فني واحد.
اختيار تسويقي
وبحد الشاعر والروائي سمير درويش المسؤول السابق في الهيئة المصرية العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة، فإن معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مؤتمراً أدبياً متخصصاً ليكون مطلوباً منه تقديم رؤى نقدية وجمالية جديدة ولافتة، تشكل إضافة إلى إنتاج شخصيته الرئيسة. فاختيار الشخصية هو اختيار إعلاني إعلامي تسويقي، يلفت النظر إلى النماذج المضيئة في الدولة التي تنظم الفعالية، وكلما كانت الشخصية متخطية لأطر محليتها، صب ذلك في المصلحة العامة.
ومع ذلك، فالإنتاج الكبير والمتميز لنجيب محفوظ لا يمكن معه الحديث عن أنه قتل بحثاً، لأن النظرية الأدبية تتطور وتتيح فرصاً للرؤية من جوانب مختلفة لم يكن يهتم النقاد بها. فالبنيوية مثلاً أضافت زاوية النظر إلى العلاقات اللغوية داخل النص، والنقد الثقافي نقل التحليل من النص إلى النسق الثقافي والسلطة والأيديولوجيا الكامنة خلفه.
والذي حدث مع نجيب محفوظ، في رأي سمير درويش، أن نقاد زمنه وضعوا أسساً للتعامل مع رواياته استقرت زمناً طويلاً، وأصبح التالون يرددونها بآلية. فمثلاً قسموها إلى مراحل: تاريخية وواقعية ونفسية وسياسية، إلخ. قد يكون هذا التقسيم مفيداً في مرحلة ما، لكنه لا يضعه ضمن سياقه الفني الجمالي، لأنه لم يتوقف بالصورة المطلوبة والمستحقة أمام بناء الجملة والتفضيلات اللغوية وتوزيع الشخصية واختيار مناطق ظهورها وغيابها. هذه أمثلة فحسب، فهل معنى ذلك أن نقاد زمنه قصروا في دراسته أو كانوا أقل من مستوى إبداعه؟ لا يعتقد سمير درويش ذلك، ولكن الاجتهادات النقدية ترتبط عادة بالاتجاهات الغالبة في وقتها، وبالنظريات المتاحة.