بغداد – العالم
رغم موجات الأمطار والسيول التي شهدها العراق خلال الأسابيع الماضية، تتزايد التحذيرات من صيف قاسٍ قد يحمل معه أزمة جفاف حادة، في ظل استمرار تراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة. وبينما منحت هذه الأمطار أملاً مؤقتاً بتحسن الوضع المائي، يؤكد خبراء أن الأزمة أعمق من أن تعالجها هطولات موسمية عابرة، ما يضع البلاد أمام تحدٍ استراتيجي يتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة.
في هذا السياق، حذّر الخبير في شؤون الموارد المائية مرتضى الجنوبي من أن العراق مقبل على أزمة جفاف كبيرة خلال فصل الصيف، مشيراً إلى أن الأمطار الأخيرة ساهمت في تحسين رطوبة التربة وزيادة الخزين السطحي في بعض المناطق، لكنها لم تعوض النقص الحاد المتراكم في الموارد المائية خلال السنوات الماضية. وأضاف أن مستويات الخزن في السدود والخزانات الاستراتيجية ما تزال دون الحدود الآمنة التي تضمن تلبية الاحتياجات المتزايدة خلال موسم الصيف.
ويعتمد العراق بشكل أساسي على نهري دجلة والفرات، اللذين يشهدان انخفاضاً مستمراً في الإيرادات المائية نتيجة التغيرات المناخية وتزايد مشاريع السدود في دول المنبع، ما أدى إلى تقلص الحصص المائية الواصلة إلى البلاد. ويؤثر هذا التراجع بشكل مباشر على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الزراعة ومياه الشرب، فضلاً عن تدهور البيئة الطبيعية.
ورغم إعلان الجهات المختصة ارتفاع الخزين المائي إلى أكثر من 8 مليارات متر مكعب نتيجة الأمطار داخل العراق وفي دول الجوار، إلا أن هذا التحسن لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الطلب المتزايد، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف الذي يشهد ذروة الاستهلاك المائي. ويؤكد مختصون أن هذه الزيادة تمثل “تحسناً ظرفياً” لا يمكن التعويل عليه كحل طويل الأمد.
وتكمن المشكلة، بحسب خبراء، في طبيعة السيول التي غالباً ما تكون سريعة الجريان وقصيرة الأمد، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه دون الاستفادة منها. وفي هذا الإطار، دعا الجنوبي إلى ضرورة تعزيز مشاريع حصاد المياه وإنشاء خزانات وسدود إضافية لاستيعاب مياه الأمطار والسيول، بما يسهم في تقليل الهدر وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
في المقابل، تتفاقم التحديات مع توقع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة معدلات التبخر وارتفاع الطلب على المياه، خاصة في المحافظات الجنوبية التي تعاني أساساً من شح الموارد وارتفاع نسب الملوحة. ويهدد هذا الواقع بتأثيرات مباشرة على الأمن الغذائي، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على النشاط الزراعي.
كما أشار مرصد “العراق الأخضر” إلى احتمال حدوث انتعاش جزئي في أهوار ميسان نتيجة الأمطار الأخيرة، لكنه استبعد استمرار هذا التحسن حتى الصيف، مرجحاً عودة الجفاف بقوة خلال الأشهر المقبلة. ويعكس هذا التقدير هشاشة النظام البيئي في العراق، الذي بات يتأثر بشكل متزايد بالتغيرات المناخية وقلة الموارد المائية.
ويرى مختصون أن أزمة المياه في العراق لم تعد أزمة موسمية، بل تحولت إلى تحدٍ استراتيجي طويل الأمد، يتطلب تحركاً حكومياً ومجتمعياً متكاملاً. وتشمل أبرز الحلول المطروحة ترشيد استهلاك المياه، وإعادة تنظيم الخطط الزراعية بما يتناسب مع الواقع المائي، إلى جانب تسريع المفاوضات مع دول الجوار لضمان حصة عادلة ومستقرة من المياه.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الأمطار والسيول، رغم أهميتها، لن تكون كافية لإنقاذ العراق من شبح الجفاف، ما لم تُتخذ إجراءات جادة لمعالجة جذور الأزمة. وبين الأمل الذي حملته الغيوم، والواقع الذي تفرضه التحديات المناخية، يقف العراق أمام اختبار حقيقي لإدارة موارده المائية في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها.