بغداد – العالم
وجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي محتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد يعيد إنتاج أزمات ما بعد عام 2003، ويكشف عن هشاشة البنية السياسية والاقتصادية للدولة. فالتصعيد الأخير، وما رافقه من ضربات عسكرية وردود من فصائل مسلحة داخل العراق، وضع البلاد أمام واقع معقد يهدد استقرارها الداخلي ويقيد خياراتها السيادية.
وبحسب تقرير نشره موقع “تقرير واشنطن”، فإن العراق لا يزال يعاني من ضعف عميق في مقومات السيادة، حيث أشار السفير الأميركي السابق في بغداد دوغلاس سيليمان إلى أن بغداد لا تسيطر بشكل كامل على مجالها الجوي، فضلاً عن وجود فصائل مسلحة غير حكومية مرتبطة بقوى خارجية، ما يعكس خللاً في احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.
يرى سيليمان أن العراق يعيش حالة اعتماد مزدوجة، فهو يعتمد على إيران في استيراد الغاز والكهرباء، وفي الوقت نفسه يعتمد على الولايات المتحدة في إدارة عائداته النفطية، التي تُودع في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. هذا التشابك، بحسب التقرير، يجعل القرار الاقتصادي والسياسي العراقي عرضة للضغوط الخارجية.
كما لفت إلى أن تهديدات سياسية، مثل تلك التي أطلقها دونالد ترامب سابقاً بشأن إمكانية حجب الأموال، تكشف مدى هشاشة النظام المالي العراقي، الذي يرتبط بشكل وثيق بالمؤسسات المالية الأميركية.
اقتصادياً، تبدو التحديات أكثر تعقيداً، إذ يعتمد العراق بشكل شبه كلي على النفط، الذي يشكل نحو 90% من إيرادات الدولة. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يبرز خطر تعطل صادرات النفط، خصوصاً في ظل الاعتماد الكبير على ممرات بحرية مثل مضيق هرمز، الذي قد يتأثر بأي تصعيد عسكري.
وفي هذا السياق، حذر لؤي الخطيب من أن استمرار الحرب قد يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية، من بينها خفض رواتب القطاع العام أو تأخير صرفها، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية واسعة.
وأشار إلى أن البديل عن ذلك قد يكون طباعة كميات كبيرة من العملة، ما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بشكل خطير، فضلاً عن ضرورة تقليص الدعم الحكومي للوقود والكهرباء، وهي خطوات قد تكون مؤلمة لكنها ضرورية للحفاظ على استقرار المالية العامة. لا تقتصر الأزمة على التحديات الخارجية، بل تمتد إلى الداخل، حيث يشكل الفساد أحد أبرز المعوقات أمام بناء اقتصاد متماسك. فبحسب سيليمان، فإن ثقافة الفساد تعرقل جهود تنويع الاقتصاد، وتمنع تطوير القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون بديلاً عن الاعتماد المفرط على النفط. كما أن مشاريع استراتيجية، مثل تصدير النفط عبر الأردن وتركيا، واجهت عراقيل سياسية وإدارية، ما زاد من اعتماد العراق على مسارات تصدير محدودة، وجعل اقتصاده أكثر عرضة للصدمات.
على المستوى الاجتماعي، يشير مرسين الشمري إلى أن غالبية العراقيين، بمختلف انتماءاتهم، لا يرغبون في الانخراط في صراعات جديدة، خاصة بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات.
ويضيف أن العراق يمتلك خبرة في “المناورة” بين القوى المتصارعة، لكنه يواجه تحدياً كبيراً في الحفاظ على هذا التوازن في ظل تصاعد التوترات الحالية.
كما يلفت إلى أن شريحة واسعة من المجتمع الشيعي لا تؤيد الانخراط في الصراع لصالح إيران، بل ترى أن التدخلات الخارجية، سواء الإيرانية أو الأميركية، كان لها أثر سلبي على مسار الدولة العراقية منذ 2003.
في هذا السياق، يبرز موقف علي السيستاني بوصفه عاملاً مهماً في الحفاظ على الاستقرار، حيث عُرف بنهجه المتوازن الذي يدعو إلى تجنب التصعيد والحفاظ على السلم الأهلي.
ويؤكد مراقبون أن غياب الدعوات التعبوية من قبل المرجعية الدينية يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع، قد تكون له تداعيات كارثية على العراق والمنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، يرى خبراء أن التصعيد الحالي يجب أن يشكل “جرس إنذار” للقيادة العراقية، يدفعها إلى معالجة ملفات السيادة والاقتصاد بشكل جذري، من خلال تقوية مؤسسات الدولة، وضبط السلاح المنفلت، وتنويع مصادر الدخل.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقدرة على تجاوز الانقسامات الداخلية، إضافة إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.
يبقى العراق، في ظل هذه الظروف، أمام معادلة معقدة: كيف يحافظ على استقراره الداخلي دون الانجرار إلى صراعات خارجية، وكيف يعالج أزماته الاقتصادية دون إثقال كاهل المواطنين بإجراءات قاسية.
وفي وقت تتسارع فيه الأحداث في المنطقة، يبدو أن قدرة بغداد على تحقيق هذا التوازن ستكون العامل الحاسم في تحديد مسارها خلال المرحلة المقبلة، بين الاستقرار والانزلاق إلى أزمة جديدة.