قال: حكم علي بالحياة ومضى. كان هذا أول تعليق له على زيارة والده. وكان الأخير قد قفل للتو عائدا من دمشق الى بغداد. جاء الوالد الى سوريا عام 1981 ليلتقي فيها ولده المقيم في بيروت. وحدث اللقاء. وكنت شاهدا عليه وأكثر من شاهد. فالابن كان صديقي.
جاء الأب طالبا من ابنه الانتقال من بيروت الى دمشق. فالمخابرات العراقية أبلغته بأن عليه أيضا انتظار تسلم جثمان ولده الثاني المغترب في لبنان. حدث ذلك مباشرة بعد تسلمه جثة ابنه الأصغر قيس من الطب العدلي. وفي نفس الوقت كان مع الأب شقيقه الذي تسلم بدوره من ذات المكان جثمان ولده صلاح.
ابنا العم قيس وصلاح كانا في العشرين من العمر. عرفتهما في بيروت. جاءا وقتا قصيرا كالبرق ثم أرسلهما أحد الأحزاب الى الكفاح المسلح في كردستان. كانا أرق من رأيت. وكم كانت زوجتي تسعد باستضافتهما. وقد تقوتا من أعمال بسيطة في بيروت. لم تقضم نكسة اضطرارهما لترك الدراسة والغربة من روح السماحة فيهما. كانا حيين ودودين. ولا أظن ان الغضب او الحماسة قادتهما الى سلوك طريق الكفاح المسلح، بل كانت الموجة والموضة في اوساط سياسية معينة.
ثم اسرا في كردستان وكان ما كان. وجاء الأب المفجوع بقيس ليجنب نفسه فجيعة أخرى بابنه الثاني، ابنه البكر. وكنت مقيما في الشام فوسطني لاقناعه بترك بيروت والانتقال الى الشام. أدى الأمانة وقفل عائدا الى الناصرية. وفي اللحظة التي تحركت به سيارة العودة قال ابنه، سمير أنيس، وكأنه يحدث نفسه: حكم علي بالحياة ومضى.
سمير أنيس كان اسمه المستعار الذي يكتب أو ينشر به. اسمه الأصلي حميد عبد الكاظم. في تلك الفترة كانت الناس تغير اسماءها لدواع أمنية. فقد كانت للمخابرات العراقية يد طويلة.
كنت في بيروت يوما، قبل أن أنتقل الى الشام، اقرأ قصة قصيرة في جريدة تدعى”راية الشغيلة“.هزتني القصة فعلا. فرحت من نص عرفت انه عراقي ”وخبصت“ الأصدقاء به. ولم تمض ايام حتى تعرفت على كاتبه. كان سمير أنيس نفسه. وانعقدت بيننا صداقة وعشرة طيبة.
أصدر سمير أنيس مجموعته القصصية الأولى في بيروت. عنوانها (ما لا يعرفه أحد سواي). ورأى الأب نسخة منها حين زار الشام لكنه لم يفكر بالاحتفاظ بها. في تلك الفترة كانت قراءة الكتب جاها ومفخرة فما بالك باصدارها. لكننا لم نلاحظ عليه ردة فعل. كان مألوما ومكسورا. والمفاخر تخلي مكانها للأحزان في مواسم الألم. وقد منعوا عليه اقامة مراسم الحداد على ولده.
لم يلب سمير رغبة والده. غير ان حرب 1982 في لبنان أجبرته على ترك بيروت والانتقال الى الشام. ثم تزوج من فلسطينية وأنجب ”قيس“ على اسم شقيقه الراحل.
تفرقت بيننا السبل. انتقلت الى قبرص وبقي في الشام. كنت اتابع قصصه. عرفت انه اعد مجموعة قصصية ثانية للنشر، لكنها لم تصدر. وسأبقى بانتظارها بعد أن سبقها الى الرحيل بحادث سيارة. كان موهوبا. كان عطاء في الأدب وتعاسة في الحياة. ودائما اعود الى لحظة توديع أبيه في محطة سيارات دمشق ـ بغداد، وأتساءل: هل تعمد سمير الامتناع عن تنفيذ حكم والده بالبقاء على قيد الحياة؟