القاضي المتقاعد مهند الدليمي
يثير البيان المنسوب إلى مجلس القضاء الأعلى بشأن قضية نور زهير والنواب الموقوفين على ذمة التحقيق في القضايا المرتبطة بعدنان الجميلي جملةً من الملاحظات القانونية الجوهرية، لما تضمنه من عبارات تبدو غير منسجمة مع المصطلحات القانونية المستقرة، ولا مع طبيعة البيانات التي تصدر عن أعلى سلطة قضائية في الدولة. فقد جاء البيان أقرب في لغته ومضمونه إلى خطاب ذي طابع سياسي منه إلى بيان يصدر عن مؤسسة قضائية يفترض أن تتسم بالدقة والحياد والالتزام الصارم بالمفاهيم القانونية.
أولاً، استخدم البيان مصطلح تخفيف الإجراءات القانونية وهو تعبير لا يعرفه الفقه الجنائي، ولا ترد له أي دلالة محددة في قانون العقوبات أو قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي أو غيرهما من التشريعات العقابية. ومن ثم فإن المقصود بهذا التعبير يظل غامضًا من الناحية القانونية. أما تخفيف العقوبة فهو نظام قانوني مختلف تمامًا، يخضع لتقدير المحكمة المختصة بعد اكتمال التحقيق وثبوت الإدانة، وفي حدود ما يجيزه القانون من ظروف قضائية مخففة،
ولا يجوز تقريره أو الوعد به مسبقًا، لأنه يدخل في صميم السلطة التقديرية للقاضي الذي ينظر الدعوى، ويباشر اختصاصه باستقلال تام وفق أحكام الدستور والقانون. ولذلك فإن الإيحاء بإمكان منح تخفيف مسبق، حتى لو كان في إطار تفاهمات بين جهات رسمية، لا يجد له سندًا تشريعيًا، ويستلزم – إن أريد إقراره – تدخلًا تشريعيًا صريحًا من السلطة المختصة بسن القوانين، وليس مجرد تفاهم أو اتفاق بين السلطات. ثانيًا، إن ما ورد في البيان من أن رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء يتباحثان لرسم خارطة طريق تهدف إلى إيجاد مخرج قانوني يتيح إجراء تسوية مالية مع المتهمين مقابل منحهم نوعًا من التخفيف في الإجراءات القانونية،
يثير إشكاليات دستورية وقانونية بالغة الخطورة. فالأصل أن القضاء ليس طرفًا في المفاوضات، ولا يملك اختصاصًا بالتفاوض مع السلطة التنفيذية أو مع المتهمين حول كيفية إنهاء الدعوى الجزائية أو آثارها، وإنما يقتصر دوره على تطبيق القانون والفصل في المنازعات وإصدار الأحكام باسم الشعب. ومن ثم فإن تصوير السلطة القضائية بوصفها شريكًا في صياغة حلول تفاوضية من هذا النوع لا ينسجم مع طبيعة وظيفتها الدستورية، ولا مع مبدأ الفصل بين السلطات.
ويزداد الأمر أهمية عندما يتحدث البيان عن الاستعانة بـ الآليات القانونية والدستورية لإيجاد ذلك المخرج، إذ إن هذه العبارة قد توحي بأن النصوص القانونية والدستورية قابلة لإعادة توجيهها أو تأويلها بما يخدم مخرجات تفاهمات سياسية أو تنفيذية. وهذا فهم لا يتفق مع المبادئ المستقرة في دولة القانون، لأن وظيفة القضاء ليست البحث عن مخارج توافقية، وإنما تطبيق النصوص كما شرعها المشرع، وتفسيرها وفق قواعد التفسير القضائي المستقرة، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو إدارية. كما أن استقلال القاضي في إصدار الحكم، وهو مبدأ دستوري أصيل، يمنع أي جهة، مهما علت مكانتها، من توجيه المحاكم أو التأثير مسبقًا في الكيفية التي ستفصل بها في القضايا المنظورة أمامها. ومن ثم، فإن البيانات الصادرة عن السلطة القضائية ينبغي أن تصاغ بمنتهى الدقة، وأن تستخدم المصطلحات القانونية المستقرة، وأن تعكس حياد القضاء واستقلاله، وألا تتضمن عبارات قد تُفهم على أنها توحي بإمكانية التفاوض بشأن تطبيق القانون أو إيجاد حلول استثنائية خارج الإطار التشريعي النافذ، لأن ذلك قد ينعكس سلبًا على ثقة الرأي العام باستقلال القضاء وسيادة القانون.