كانت بيروت عندما وصلتها أول مرة عام 1979 غابة من البنادق. وكانت مقسمة الى غربية وشرقية. الاولى للمقاومة الفلسطينية وتحت جنحها الحركة الوطنية اللبنانية. والثانية للمسيحيين بقيادة حزب الكتائب وذراعها العسكري المعروف بالقوات اللبنانية.
وكانت بيروت الغربية هي ملاذ العرب الشاردين من ألوان القمع أو الضيم. هؤلاء الشاردون كانوا جميعا تقريبا من الصنف الحامي للبشر. وكانت الثورة الفلسطينية بتلاوينها المختلفة ذات قابلية لاستيعابهم ومنحهم الامان وربما الدور والمعنى.
لم تزد مساحة بيروت الغربية على بضعة كيلومترات. لكنها كانت مركزا من مراكز الثورة العالمية. كان كل من يريد في هذا العالم الاحتجاج بالكلمة أو السلاح يستطيع تلقي الدرس والتدريب في ”جمهورية الفاكهاني“. الفلسطينيون كانوا الغضب المقدس. لا أحد يستطيع لومهم. فقد تواطأ العالم جميعا على ايقاع مظلمة شنيعة بحقهم. لكن العبقرية خانت دروب الغضب التي سلكوها. وخانتهم ”الحساسية الانسانية“. الحرب ليست قابلة أو مولدة للفضائل. فما بالك بحرب من طبيعة شديدة التعقيد متعددة الجبهات. وهم فوق ذلك كانوا يخوضونها على أرض ليست أرضهم وضدا من نصف سكان تلك الارض.
وفي تلك الارض، أرض الثورة، عشت قرابة العام. وما زلت أشعر بالامتنان لارض شكلت لي في وقت حرج ملاذا. لكنني أريد أن أتحدث عن شعور كان يلازمني وظل يرافقني. تمثل ذلك برواية (الشياطين) لديستويفسكي. لم أكن أتذكرها حسب وانما كانت تأتي وتلويني مثل إمساك. وانا من النوع الذي لا يتذكر التفاصيل. لقد قرأت الرواية في وقت أبكر من ان أستطيع فهمها. ومع ذلك فقد تملكتني طوال تلك الفترة.
فيما بعد اعدت قراءتها وأكاد أكون قد فهمت السبب.
شياطين ديستويفسكي هم ”الثوار“ بالجملة. والثورة كل ثورة هي عواصف البشر التي تقابلها عواصف الطبيعة. لا أعرف ما اذا كانت هناك حكمة مخصوصة عند الطبيعة عند اطلاقها عاصفة. لكنني صرت أعرف من ديستويفسكي ومن خبرة العمر ان عواصف البشر، أعني ثوراتهم، هي ضرب لكل حكمة ولكل انسانية. هي ردود فعل تدميرية على ذنوب تقبل الغفران.
وأنا هناك كنت وسط عاصفة. وتلك العاصفة، وكل ثورة بشرية، كانت هي موضوع رواية (الشياطين).
ثمة سلوكان تجاه المصير البشري. الاول هو المنطلق من مفهوم السياسة كخدمة وطنية ترعى المصالح العليا لشعب بهدوء وتقود التطور بالتدريج. وهذه تفضل المشي لشهر ولا تقفز النهر. السلوك الاخر هو الثورة التي يتحول فيها الثائر الى نوع من إله صانع للمصير أو صائغ للمصير. وهنا لن تعود الخدمة العقلانية للبشر هي الموضوع، بل صياغة البشر وفقا للقالب الذي صممه الثائر الاله.
ومن هذا الدرب العدمي يولد ”الشياطين“ الحامين الذين يسلبون البشر حقهم في الامان والابداع. ويا لهذا الدرب الطويل الذي لا يريد أن ينتهي في عالمنا العربي. فأجواء انعدام الأمان والابداع لم تنقطع عن العراق، مثلا، منذ أول ثورة حتى يومكم. يقول الشاعر ياسين طه حافظ في قصيدة أخيرة له:
”وأنا عشت عمري في حذر/ اتقي غضبا مضمرا/ واحاذر ثأرا قديما/ واذا ابتدعت شعلة الشعر في جمالا، تململ وحش وراء الجدار/ فاغلقت بابي/ وتواريت اخشى عقابه“.
يعني حياة من جاك الواوي جاك الذيب. والشياطين هم صناع هذا النمط الشنيع من الحياة. وهم كل مخلوق ركب قطار المجد على سكة اذلال الناس وهوانهم. اللهم احفظ ياسين والعراقيين أجمعين من هذا الدرب اللعين!