Search

المأساة والمهزلة ..!

486

قاسم حول
إنتشرت في الآونة الأخيرة صورتان، الأولى لرئيس وزراء العراق وهو بالمشحوف في أهوار الجبايش، وإلى جانبها نشرت صورة الدكتاتور السابق، وهو بالمشحوف أيضا وفي ذات الأهوار. الفرق بين المشهدين والصورتين، أن الدكتاتور قد سبقته إلى الأهوار شاحنة وقفت على أطراف الأهوار محملة بأجهزة التلفاز، التي وزعت هدايا لشيوخ العشائر وبعض معلمي المدارس الإبتدائية من سكان الأهوار. فيما مشحوف رئيس الوزراء، مر خاليا من الهدايا التلفزيونية وعندما ذكروه بهدايا صدام حسين التلفزيونية يقال والعهدة على الرواة .. قال، ما حاجة المواطن إلى تلفاز في منطقة لا تزورها الكهرباء! وحقيقة الأمر وأنا زرت الأهوار قبل ثلاثة أعوام لتصوير فيلم جديد، لم أجد أهل الأهوار يقيمون في اهوارهم، ولم أجد سوى بضعة مشاحيف، وبضعة طيور وهي ليست من الطيور المهاجرة، وحين رغبت بتسجيل أصوات الضفادع لم أجد ضفدعة واحدة تتفضل علي بتسجيل صوتها، فيما في فيلم الأهوار سجلت سيمفونية الضفادع المتناغمة بين الأصوات القريبة والبعيدة وبأشكال النغمات بين غابات القصب فجراً.
يقول “كارل ماركس – إذا تكررت الحادثة في التاريخ مرتين، فإنها في المرة الأولى تأتي على شكل مأساة وفي المرة الثانية تأتي على شكل مهزلة”!
المأساة في زمن الدكتاتور، تم تجفيف الأهوار وتهجير سكانها نحو هور الحويزة وبنوا الصرائف والأكواخ على يابستها. والمهزلة في زمن ما بعد الدكتاتور أن سكان الأهوار تحولوا إلى مليشيات ورجال حماية وبعضهم دخل عالم المقاولات!
المأساة في زمن الدكتاتور، أنه ذهب في القطار نحو مدينة الناصرية ورافقه عدد من الإعلاميين “الشيعة” ونشر أحدهم مقابلة في صحيفة “ألف باء” عنوانها “ستون ساعة مع صدام حسين” وهو زمن الرحلة التي إستغرقت ثلاثة أيام. والمهزلة في زمن ما بعد الدكتاتور أن الصحفيين الذين رافقوا رئيس الوزراء لم يكتبوا عنه ساعة واحدة!
المأساة في زمن الدكتاتور، أن أحد الرسامين الشيوعيين الذين تخرجوا من الإتحاد السوفيتي، رسم لوحة تمثل “معيدية” وهي تحمل على رأسها جهاز تلفزيون وعلى شاشة التلفزيون صورة صدام حسين! والمهزلة في زمن ما بعد الدكتاتور، أن الرسامين لا يستطيعون رسم صورة الأهوار في لوحاتهم لأن التشخيص هو من إبداع الخالق وحده!
المأساة في زمن الدكتاتور، وقبل أن يعمل على تجفيف الأهوار أصدر أمراً بإحراق فيلمي “الأهوار” وتم إحراقه في دائرة السينما والمسرح وقد زرت الأرشيف قبل ثلاث سنوات وفتحت سجلات الأرشيف ولم أجد فيلمي بين الأفلام. والمهزلة في زمن ما بعد الدكتاتور فإنني ومن مثلي ممنوعون من ممارسة المهنة السينمائية وما تجلبه من البهجة والسعادة في نفوس العراقيين!
المأساة، إن الدكتاتور أعلن صراحة .. ما حاجتي إلى ستة عشر مليون عراقي. أربعة ملايين تكفيني. والمهزلة ما بعد الدكتاتور إن الدولة ضاعفت الستة عشر مليونا ليصبح تعداد نفوس العراق ثلاثة وثلاثين مليوناً!
المأساة أن الدكتاتور جفف المياه التي كانت تشغل ثلثي مساحات الجنوب العراقي، والمهزلة أن دولة ما بعد الدكتاتور أغرقت الأهوار بالمياه .. ولكنها مياه التصريف والفضلات وليست مياه الأنهار الجارية!
المأساة أن الفاشية في زمن الدكتاتور هيمنت على وسائل الإعلام من خلال وزارة الإعلام العراقية، والمهزلة في مرحلة ما بعد الدكتاتور، إنها جاءت خالية من وزارة إعلام تنظم العملية الإعلامية!
المأساة أن الدكتاتور قام بتصفية المبدعين من المثقفين وإحتوى المهرجين الذين يدبكون أمام حضرته وقام بتصفية المبدعين في بيوت الأشباح. والمهزلة في مرحلة ما بعد الدكتاتور، أن تصفية المبدعين كانت تجري في الهواء الطلق وأمام أعين المشاهدين!
المأساة في زمن الدكتاتور أن صالات السينما قد إنتعشت، وكانت كل صالات السينما تعرض الأفلام الهندية المتسمة بالفواجع والأغاني والميلو دراما، والمهزلة في مرحلة ما بعد الدكتاتور، أن حياتنا باكملها قد صارت فيلما هندياً ..!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا