رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 9 تموز( يوليو ) 2020 - السنة التاسعة - العدد 2471

البكاء عند انهار تحتضر

الثلاثاء - 19 ايار( مايو ) 2020

علي غالب بابان

 في عام 2011 وجدت انه من الضروري جدا ان أنبه العراقيين الى خطر كبير يحدق بوطنهم وبالنهرين العظيمين دجلة والفرات. كان العنوان تشاؤميا بعض الشيء، لكني رأيت ان ذلك مطلوب، لكي يرتقي وعي المواطن لمستوى ذلك (التهديد الوجودي). وَضعْ تحت  وصف الوجودي خطاًّ. لم أكن اتوقع ردة الفعل التي أحدثها ذلك المقال في حينه، والتي كانت مصدرا لاعتزازي وسعادتي. نشرت المقال اكثر من صحيفة وموقع عراقي، واهتم به القراء كثيرا، وتناقلوه فيما بينهم. انما اكتشفت ان تلك السطور وجدت طريقها لصحف عربية، وحظيت باهتمام لم اكن اتوقعه، وبدرجة لم تنلها ايُّ من كتاباتي السابقة واللاحقة.
ربما كان احد الاسباب في الاهتمام الذي حازه المقال انني كنت منفعلا عندما كتبته، واختلطت عواطفي بأفكاري، كما امتزجت مخاوفي على النهرين مع احزاني. كان الشوق قد أستبد بي، فقد كنت قد غادرت العراق حديثا، بعد ان تركت موقعي في الخدمة الوطنية العامة. واعتقدت ان أفضل ما يمكن ان أفعله هو ان (اصرخ) في اسماع العراقيين، واقول لهم: ان انهاركم العظيمة تحتضر.
قبل بضعة اشهر قرأت تصريحا (للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) وكان يتحدث فيه عن موضوع (سد النهضة الاثيوبي) ومخاطره على بلاده. وقال الرئيس المصري (انظروا الى حال العراق لقد فقد معظم موارده المائية. والسبب ان الاخرين رأوا ان العراق بلد ضعيف، لا يقدر على الدفاع عن حقوقه المائية).
تصريح يسبب الوخز لمشاعرنا كعراقيين، لكنه يحمل الكثير من الحقيقة.
منذ عام 1980 حين تورطت بلادنا في الحرب مع ايران، ولا يزال مستقبل الدولة العراقية موضع شك وتساؤل، ومصيرها تحيط به علامات الاستفهام: اعوام 1980  - 1988 وهي اعوام الحرب طحنت العراق طحنا، ثم جاء غزو الكويت والحصار الظالم، الذي اعقبها في الفترة ما بين 1990 - 2003 لتهلك الحرث والنسل في بلادنا، ثم يعقب ذلك احتلال غاشم وحرب اهلية ضروس، ومن ثم حرب داعش والغبراء. كل هذه الفترات ونحن نعيش مرحلة (اضمحلال الدولة) وتلاشي فاعليتها، واضطراب بوصلتها، ومعها كان دجلة والفرات يذويان، وتزداد صفحة وجهيمها صفرة وشحوبا.
غدا او بعد الغد، بعد عشرين او ثلاثين عاما، اذا ما صحونا على حقيقة ان دجلة والفرات صارا مجرد جدولين صغيرين، فعلينا ان لا نلوم سوى انفسنا، فنحن الذين فرطنا بهما، وغلبنا صراعاتنا وانانياتنا وانتصرنا لأحقادنا وجهالاتنا، حتى صار وطننا بهذا الضعف، الذي يغري الاخرين بالتجاوز على حقوقنا.
كم أتمنى ان تعيد "العالم" نشر ذلك المقال، كما فعلت قبل تسعة اعوام. وان تذكر الناس مرة اخرى بتلك السطور التي دائما، ما أرددها، كلما مرّت بذاكرتي خواطرها.
كل المقالات كتبتها بقلمي، الا هذا المقال فقد كتبته بدمي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي