2003/4/9 يوم تاريخي بكل المعايير، انطلاقا من أي وجهة نظر تطلعت اليه. والحدث عراقي ودولي. وثمة طريقتان للنظر الى الحدث أو الواقع السياسي، الاولى تركز على الخارج والأخرى على الداخل، الذات أو الاخر.
والأولى اكثر شيوعا وأرسخ من الأخرى في الفكر السياسي العربي. والأخرى أندر وأشق وأكثر كلفة. لكنها الأهم والأكثر فائدة. في نقد الغزو الأميركي للعراق ستجد مجلدات، ولعل اكثرها حجما واغناها مضمونا ستجده في الولايات المتحدة اولا وفي الغرب بالإجمال ثانيا.
ماذا عن رؤية الذات العراقية لنفسها في ضوء الغزو؟
هذا هو السؤال الكبير، أو هذا ما يفترض ان يكون الموضوع. وعلى رأي الإعلان التلفزيوني الجميل والشهير فانهم «يمضون ونبقى». لن يحل احد غيرنا على ارضنا.
هل كنا بمستوى الحدث؟
الجواب على هذا السؤال، ايا كان، ينبغي ان يصدر عن مقياس. وهذا المقياس لا يوجد اذا كنا لا نعرف ماذا نريد، ويوجد الوجود كله اذا كنا نعرف ماذا نريد.
في السياسة لا يجيب اي كان عن سؤال ” ماذا نريد“. هناك شيء يسمى طبقة سياسية في كل بلد هي المسؤولة فعليا وعمليا عن الجواب. وكان العراق امام لحظة مصيرية: سقط نظام حكم لا يوجد مثيل له في القسوة ، وانتقلت السلطة الى قوة غازية. وجاء الدور على ”الطبقة السياسية“ العراقية: ماذا تريد؟
اعتقد اننا نظلم انفسنا كعراقيين، ونظلم طبقتنا السياسية، اذا انتظرنا من انفسنا، وممن يمثلوننا، جوابا ناضجا على هذا السؤال. كل مهنة تقوم على علم وخبرة. ينطبق ذلك على الهندسة، التدريس، الفلاحة، واي مهنة تخطر على البال، والسياسة في المقدمة. في المقدمة لأن موضوعها مصير الدولة، أمنها القومي، المصالح العليا. هي باختصار مهنة صناعة الخير العام.
ونحن نعرف ان هذه الصنعة توقفت عن العمل منذ 1958 . في العهد الملكي كان لدينا نظام فاسد، او انتهى في مرحلته الأخيرة الى ذلك. لكنه كان نظاما على اي حال. أما الجمهورية فقد دشنت الفوضى. فوضى تصعد وتنزل حتى جاء صدام. وهو ابن شرعي لتلك الفوضى. نظامه هو الآخر فوضى، خلافا لما يبدو في الظاهر. انه قدر ضغط. من الخارج له شكل النظام، وكل ما يمكن ان يطرأ عليه هو صفير، لعله يعادل صراخ الضحايا، ولكن تصور ما يحدث داخل القدر وكيف تتقلى المواد ويشتعل ابو ابوها.
وما يركب مع المادة الغذائية لا يركب مع المادة البشرية. مصير الأولى طعام. ومصير الثانية ”بركان الشيخ صندل“ ولا عضو فيها صحيح. وهل ننتظر من انفسنا علما وخبرا في المصير وقد انفتح علينا قبغ قدر الضغط للتو؟
صنعة السياسة تموت في الفوضى. سيقال ماذا عن السياسيين الذين جاؤوا من المنفى؟ وما هؤلاء في الواقع الا جزء من غزية ان غزت او قعدت. والمنفى بعد ذلك فراغ بينما السياسة عمل شعبي، عمل في صفوف الشعب.
في الواقع كنا بحاجة الى فترة نقاهة. هذه الفترة يمكن ان تكون اعمالا اساسية مهمة على رأسها وقبل كل شيء توفير مستلزمات الأمن في 5 سنوات، يسود فيها القانون، ويتحرك الإقتصاد، ونتعلم خلالها شيئا من حرية التعبير. ثم ننتقل الى قانون لتشكيل الاحزاب فالانتخابات.
لكننا بدأنا من الأخير فأكلناها للآخِر.
وها قد مضت أعوام على 9 / 4/ 2003 ولم نجب كشعب عن ما نريد. والجواب الصحيح فيما أظن هو ان ننتج كشعب طبقة سياسية تخدم مصالحنا في الرفاه والحرية.