بموجب حق معمول به في الديمقراطيات، يدعى حق الوصول الى المعلومة، أستطيع، بعد إثبات هويتي كصحفي في مؤسسة إعلامية، الذهاب الى وزارة المالية، والبقاء هناك مع الدائرة المختصة بالميزانية، يوما واثنين وعشرة، الى ان أقع على الطين الحري لمجموع ما صرف من أموال، وعلى ماذا جرى الانفاق، ومن ثم تكليف مختصين فرز الصحيح عن الفاسد من الانفاق.
ولو تسنى العمل بهذا الحق لجنبت الزعماء الحرج من اختلاف الأرقام، والمواطنين من اهتزاز الثقة بالحكام، فالسيد عمار الحكيم يقول إن مصروف الحكومة في الخمس سنوات الماضية بين 280 الى 300 مليار دولار، ويبصم على كلامه وزير المالية باقر جبر الزبيدي، ويرد عليهما رئيس الوزراء متسائلا: من أين أتى هذا الرقم وصادرات النفط العراقي بلغت 171 مليار دولار خلال الأربع سنوات الماضية؟
وقال المالكي على الهواء انه طلب من وزير ماليته كشفا عن المصروف، ووعد بأن يناقش مجلس الوزراء هذا الكشف خلال اجتماع يبث ايضا على الهواء. ونحن بانتظار هذا الاجتماع التاريخي الذي سيبين الرقم الحقيقي لمصروف الحكومة. المواطنون جميعا ينتظرون. فموضوع الرقم هو المال العام، يعني فلوس الشعب. وعندما ينعقد الاجتماع وينتقل الرقم من الظلمة الى النور يكون الشعب العراقي قد وصل اخيرا الى اشباع حقه في المعلومة.
واذا وصلنا الى هذا الحد وعرفنا حقيقة الرقم فاننا سندين بالفضل الى الخلافات بين الساسة. وهذا برهان جديد على عظمة الحديث الشريف القائل « اختلاف امتي رحمة». فلولاه لما وصلنا الى معرفة دخلنا ولا خرجنا. وهذا هو أهم ما عندنا. انه قوتنا. ولذلك، اي لمعرفة الحقيقة، يجب ان يحرص الشعب على استمرار الخلافات بين الساسة وبين الزعماء. وعلى تغذيتها بالمزيد من الأسباب المانعة لأي وحدة او شراكة قد تؤدي الى التضليل.
صحيح ان ذلك يتضمن التسليم بهدر حقي كمواطن، او كصحفي، في الوصول بنفسي الى المعلومة. كما انه ينطوي على تجاوز لدوري. ولكن هذا ليس جديدا على أي حال. فحياة الشعوب تمر بمراحل. الساسة في بعضها هم الأول والآخر. هم الحكم وهم الإعلام وهم الشعب. وبرأيي المتواضع ان هذا هو الحال اليوم. وطالما ان للساسة قدرة على مصاولة بعضهم بعضا، وان الشعب يعدم مثل هذه القدرة، فان على الشعب ان يتمسكن في هذه المرحلة، ويشجع يوما هذا على حساب ذاك، ثم هذا على حساب ذاك. ومن خلال تسعيره هذه الخلافات قد يستطيع ان يبني لنفسه قواعد اقتصادية ومدنية واعلامية، بالتدريج، وشيئا فشيئا، الى ان يجد في نفسه القدرة على التعبير عن نفسه، والمكانة التي يصعب على الساسة تجاوزها.
ولربما يتوجب على الشعب في هذه المرحلة ان يتمرن على طرق الحصول على المعلومات، خصوصا في أمور الفساد، والوصول الى درجة من الاحتراف في الجاسوسية، من أجل استكمال ملفات محكمة حول الساسة وكبار الموظفين، واذنابهم، ومن ثم استخدامها في الوقت المناسب، في إعلام هذا الطرف ضد ذاك الطرف. وبهذه الطريقة يجعل نارهم تاكل حطبهم وهو في سد أمين. وعندما يجرد الجميع من القدسية، وتفتضح المفارقة بين الأقوال والأفعال، تصبح قذائف الشعب موجعة، ومن ثم يقوى الى درجة كفالة حقه في الوصول الى المعلومة عبر الطريق المستقيم، عبر القانون.
وهكذا فإن واجب الشعب اليوم هو إذكاء الخلافات بين الساسة!