كل شيء من حولك يؤكد كم هو العراق بعيد عن الديمقراطية.
هم المواطن تلخصه كلمتان لا يكاد يكون هناك ثالث لهما هما الأمن والخدمات. والأمن والخدمات هما مسؤولية اي حكومة، اي حكومة بالمطلق، لا فرق في ذلك بين حكومة تسلطية او دكتاتورية، ملكية او جمهورية.
كل حكومة في العالم هي مخابرات وجيش واجهزة عدالة جنائية من شرطة وقضاء، مهمتها توفير الامن والعدالة. وكل حكومة هي مجموعة وزارات ومؤسسات مهمتها تقديم خدمات معينة، مثل الطرق والجسور والتعليم والصحة والكهرباء والماء وتوفير فرص العمل.
وهذه المهام توفرها حكومة دكتاتورية مثل حكومة بينوشيت، او حكومة بسيطة مثل حكومة عبد الرحمن عارف، او دولة مثل سلطنة عمان.
اذن المطلب الشعبي في العراق ليس الديمقراطية وانما اي حكومة تستطيع القيام بما تستطيع القيام به اي حكومة.
من الجانب الآخر هناك الطبقة السياسية العراقية. ما هو همها؟ انه توزيع السلطة والثروة بطريقة، لم توجد حتى الآن، متوافق عليها بين الكتل السياسية الرئيسية. والثروة، مبدئيا على الاقل، يمكن التوافق عليها، اعتمادا على الدستور الذي يجعل الثروة الوطنية ملكا للشعب. والشعب محافظات وفيدرالية. ووفقا لاستراتيجية اقتصادية تعتمد احصاء سكانيا، يمكن الوصول الى توزيع عادل للثروة، من خلال آليات تنمية متكافئة بين الوحدات الادارية للسكان.
لكن ماذا عن السلطة؟ هذه كيف يمكن التوافق عليها؟ هل نقسم الجيش والشرطة والمخابرات بين الشيعة والسنة والكرد والتركمان والمسيحيين والشبك والايزيدية؟
هذه عملية مستحيلة.
البديل المعهود في كل الانظمة السياسية هو قوة امنية مهنية وطنية غير مسيسة، لا تخضع لرياح التغيير، فهي ليست اليوم بعثية، وغدا شيعية، وبعد غد سنية. ولا تقوم على الولاء للحكام المتبدلين. هناك شرعية سياسية ما في كل دولة، وولاء القوة الامنية ينبغي ان يكون تابعا لتلك الشرعية، وهي قد تكون دستورا مؤقتا او دائما، او اسرة ملكية اعتاد شعبها ان يعتبرها ضمانا لوحدته وامنه وسيادته. الشرعيات تتعدد، ولكنها جميعا تمنع القوات الامنية من ان تكون طرفا في الصراعات السياسية على اختلافها.
ومثل هذه الشرعية لم تتكون بشكل ملائم بعد في العراق. فالقوات الامنية العراقية تأخذ شكل الاناء الذي توجد فيه، فهي قريبة من الطبقة السياسية النافذة في كل محافظة او اقليم، أنبارية في الرمادي، كردستانية في الاقليم، شيعية في النجف وهكذا.
وهناك ذلك الصراع على قيادات القوى الامنية في العاصمة. والخوف بين الكتل السياسية الرئيسية هو من استحواذ من يتسلم رئاسة الوزراء على هذه القيادات. خصوصا اذا تكاملت القوة الامنية، واصبحت مسيطرة معلوماتيا من حيث اجهزة الاستخبارت، ومسيطرة في القدرة من حيث تكامل القوات البرية والجوية.
ولذلك فان هم الطبقة السياسية المهيمنة، والى ان توجد صيغة مضمونة للشرعية، هو الحيلولة دون تكامل القوات الامنية. الأمر الذي يعني ان الخدمة الاولى التي ينتظر الشعب ظهورها على احر من الجمر، وهي الأمن، لن تكون في ظل هذا الصراع كاملة.
كم هو العراق بعيد عن الديمقراطية.