بغداد ـ العالم
يدخل العراق مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب “الإطار التنسيقي” من عقد اجتماع مرتقب لحسم ملف ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، في ظل انقسام داخلي وتحذيرات أميركية متصاعدة تضع القوى الشيعية الحاكمة أمام خيارات معقدة، تتراوح بين الإبقاء على الترشيح أو سحبه أو البحث عن بديل توافقي.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن قوى الإطار تتجه لعقد اجتماع موسع بهدف إنهاء حالة الانسداد السياسي والتوصل إلى موقف موحد بشأن مرشح رئاسة الوزراء، تمهيداً لتحديد موعد جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، الذي سيتولى بدوره تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة.
واوضحت المصادر لـ"العالم"، أن الاجتماع المرتقب سيناقش ثلاثة خيارات رئيسية: الأول، إعلان المالكي انسحابه طوعاً من السباق. والثاني، تصويت الأغلبية التي رشحته داخل الإطار على سحب الترشيح رسمياً. والثالث، المضي في ترشيحه رغم التحذيرات الخارجية.
ورجّحت المصادر أن يكون الخيار الأقرب هو اتفاق الأغلبية على سحب الترشيح، تجنباً لما وصفه بـ”تداعيات خطيرة وكبيرة” قد تطال العراق في حال مضت الولايات المتحدة بفرض عقوبات أو إجراءات عملية تهدد مسارات التعاون الثنائي.
تُظهر المعطيات أن قرار الحسم لا يخلو من كلفة سياسية مضاعفة. فالمالكي، وفق مصادر مقربة من مركز القرار، يدرك أن انسحابه الفردي سيُفسر بوصفه رضوخاً لضغط أميركي، في وقت تحرص فيه قيادات الإطار على عدم الظهور بمظهر المستجيب لـ”فيتو خارجي” إذا ما صوّتت لسحب ترشيحه.
هذا التعقيد أدى إلى تعطيل اجتماعات رسمية خلال الأيام الماضية، مع انتقال النقاش إلى قنوات جانبية ومحاولات وساطة لإقناع المالكي بالتراجع بصيغة تحفظ ماء وجه جميع الأطراف، وتجنب الإعلان عن تنازل صريح قد ينعكس سلباً على تماسك التحالف.
ويشهد الإطار، الذي يضم قوى سياسية شيعية فاعلة في السلطة، انقساماً واضحاً بشأن الاستمرار بترشيح المالكي، إذ ترى أطراف أن المرحلة تتطلب شخصية قادرة على امتصاص الضغوط الدولية ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، فيما يصر آخرون على احترام قرار الأغلبية الذي اتخذ في 24 كانون الثاني/يناير 2026 بترشيحه رسمياً.
التطور الأبرز في المشهد تمثل في تأكيد وزارة الخارجية العراقية تسلم بغداد رسالة شفهية من الجانب الأميركي في واشنطن، تضمنت تلميحاً بإمكانية فرض عقوبات على بعض الأفراد والمؤسسات، إلى جانب معايير تتعلق بطبيعة التعاون مع الحكومة المقبلة.
وكان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية فؤاد حسين قد أشار في مقابلة تلفزيونية إلى مضمون الرسالة، قبل أن تصدر الوزارة بياناً توضيحياً يؤكد أن حديث الوزير ركز على المعايير المرتبطة بالتعاون المستقبلي، لا على فقرة التلميح بالعقوبات، ما تسبب بلبس في بعض التغطيات الإعلامية.
في المقابل، شددت وزارة الخارجية الأميركية في تصريح لوكالة شفق نيوز على أن موقف واشنطن “ثابت وحازم” إزاء ترشيح المالكي، محذّرة من أن اختياره سيجبر الولايات المتحدة على إعادة تقييم علاقتها مع العراق.
ويأتي هذا الضغط في سياق مواقف معلنة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وجّه انتقادات حادة للمسار الذي اتخذه المالكي خلال توليه رئاسة الحكومة لثماني سنوات بين 2006 و2014.
يرى مراقبون أن الإطار التنسيقي يواجه اختباراً معقداً بين الحفاظ على وحدته الداخلية وتجنب صدام مباشر مع واشنطن. فالمضي بترشيح المالكي قد يُفسر داخلياً على أنه تمسك بالقرار السيادي، لكنه يحمل مخاطر اقتصادية ومالية في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي واعتماد العراق على النظام المالي العالمي.
في المقابل، قد يفتح سحب الترشيح الباب أمام البحث عن شخصية بديلة أكثر قبولاً خارجياً، لكنه قد يُضعف موقع المالكي داخل التحالف ويثير انقسامات جديدة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى تسوية متوازنة تحفظ التوازنات بين مكونات الإطار.
وتشير المصادر إلى أن بعض قيادات الإطار بدأت فعلياً بحشد الأصوات اللازمة لسحب الترشيح في حال تعذر التوصل إلى صيغة توافقية مع المالكي، ما يجعل اجتماع الساعات المقبلة مفصلياً في رسم مسار المرحلة المقبلة.
بغض النظر عن القرار النهائي، يبدو أن القوى السياسية باتت تدرك أن استمرار حالة الجمود يهدد الاستقرار السياسي ويؤخر استحقاقات دستورية مهمة، في مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
الأنظار تتجه الآن إلى اجتماع الإطار، حيث سيتحدد ما إذا كان التحالف سيختار التراجع خطوة إلى الوراء لتفادي مواجهة مع واشنطن، أم سيمضي قدماً في معركة سياسية مفتوحة قد تعيد رسم حدود العلاقة بين بغداد وواشنطن.
وفي ظل هذه المعادلة الحساسة، يقف العراق أمام مفترق طرق: بين منطق التوازنات الداخلية، وضغوط الخارج، وحاجة البلاد إلى حكومة مستقرة تعيد ترتيب الأولويات في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التقلب.