لم تكن بغداد يومًا مدينة عادية؛ فهي العاصمة التي كُتبت على ضفاف دجلتها أولى صفحات الحضارة، ومنها انطلقت مدارس العلم والفلسفة والأدب. ومع ذلك، فقد مرت بغداد — مثلها مثل كثير من العواصم العريقة — بفترات صعبة أثّرت على صورتها الخارجية وقدرتها على استقبال السائح العربي والأجنبي. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت العاصمة العراقية عملية إحياء حضاري وسياحي حقيقية، أعادت تقديم بغداد إلى العالم بوصفها وجهة سياحية آمنة، نابضة بالحياة، ومليئة بالتجارب الفريدة.
اليوم، وبعد اختيارها عاصمة السياحة العربية لعام 2025، يبرز سؤال طبيعي: ماذا فعلت بغداد لتعود إلى الخريطة السياحية العربية والعالمية؟
حتى نستطيع الاجابة عن هذا السؤال يجب اولا ان نتحدث عن المقومات السياحية التي يمتلكها العراق فالعراق؛ لديه ٦ أماكن اثرية مدرجة في اليونيسكو بالإضافة الي المزارات الدينية والمدن الترفيهية التي تجعله قادرا علي جذب السياحة العربية والعالمية.
يحتل العراق المرتبة السابعة عربيا في السياحة، واستطاع تحقيق قرابة ٥.٥ مليون دولار بفضل القطاع السياح، الامر الذي جعله يتبنى مشروعا طموحا يهدف لزيادة أعداد السياح العرب والاجانب. وبمجرد اختيار المنظمة العربية للسياحة بغداد عاصمة للسياحة العربية ٢٠٢٥ انتفضت الدولة العراقية عن بكرة أبيها بهدف تحقيق اعلى عائد سياحي، يضاف الى الناتج الإجمالي المحلي للعراق.
انطلقت هذه الخطة واضعة خلفها ويلات الحروب وآلامها، متطلعة الى حلاوة الحداثة وثمارها؛ فاستطاعت بغداد ان تشق طريقها نحو التنمية والازدهار من خلال تطوير البنية التحتية من طرق ومطارات وفنادق واماكن ترفيهية وشبكات الكترونية تستطيع من خلالها الوصول الي كافة فئات السياح.
وبعد ان خفضت متطلبات تأشيرة دخول العراق اصبح من السهل على الزائر ان يحصل على تأشيرة سياحية عند الوصول، الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع أعداد الوافدين الى العراق، فضلا عن وجود شركات سياحية عالمية تقدم برامج سياحية محترمة للزائرين، وصولا الي إطلاق شراكة استراتيجية مع شركات الطيران في مختلف دول العالم، ما ترتب عليه ارتفاع اعداد خطوط الطيران من وإلى بغداد، ما زاد من ارتفاع اعداد السياح الى العراق.
العراق يا سادة يمتلك كافة المقومات التي تجعله في مصاف الدول السياحية، لكنه يعاني من ضعف الرؤية الاستراتيجية الإعلامية لمؤسساتها، فلا يمكن ابدا إطلاق مشروع قومي سياحي عراقي دون تسليط الضوء الإعلامي على هذا المشروع. اين الإعلام العراقي من هذه المشروعات القومية التي تهدف الى ان يتواجد العراق على الخريطة السياحية سواء العربية او الدولية؟
وضوح الرؤية ووضوح الهدف يجعلان الوصول اليه سهلا ممتنعا، ولكن بدون رؤية لم ولن يتحقق الهدف.
لماذا سمح الاعلام العراقي للآخرين يصدرون لنا صورة مغلوطة عن العراق، فهل هذا يصب في مصلحة بلاد الرافدين؟
الأسبوع الحالي ستشهد العاصمة العراقية افتتاح مهرجان بغداد عاصمة السياحة العربية ٢٠٢٥، ونتطلع لبحث سبل تحقيق مشروع قومي عراقي سياحي أسميناه (رؤية العراق ٢٠٢٦ - ٢٠٣٠) وسوف نعرض هذه الرؤية في هذا المهرجان. نتمنى ان يجد صدىً لدى من يهمه امر العراق، كي نصل في النهاية إلى بغداد عاصمة للسياحة العالمية وليس العربية فقط.
• كاتب مصري