شكّل الدكتور عبد الحميد الفرج نموذجًا مميزًا للمناضل العراقي الذي جمع بين الفكر الإنساني والموقف الوطني. وُلد في مدينة سوق الشيوخ – الناصرية عام 1930، وكان منذ شبابه المبكر يحمل همَّ الوطن وعدالة الإنسان، إذ شارك في الحراك الوطني ضد معاهدة بورتسموث، فاعتُقل عام 1948 متنقّلًا بين سجون الموصل والكوت و(نقرة السلمان)، ليُطلق سراحه نهاية عام 1954.
خرج من السجن أكثر إصرارًا على بناء ذاته وخدمة وطنه، فأكمل دراسته الإعدادية، ثم التحق بكلية الطب في جامعة إستنبول عام 1955، وعاد إلى العراق عام 1962 ليواصل عطاءه العلمي والإنساني حتى إحالته على التقاعد عام 1991.
لم يقتصر تأثير الدكتور الفرج على مهنته الطبية فحسب، بل امتد إلى ميدان الفكر والعمل العام؛ إذ كان عضوًا في مجلس محافظة كربلاء بعد انتخابات عام 2005، وهناك جسّد معنى الوطنية النزيهة في زمنٍ كثرت فيه المصالح الشخصية. كان صوته في المجلس صوت العقل والضمير، فلم يسعَ يومًا إلى منفعة ذاتية أو حزبية، بل كان همه الدائم مصلحة الوطن والإنسان.
من أبرز مواقفه الدالة على عمق انتمائه الوطني إصراره على تسمية أحد شوارع كربلاء باسم الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، إيمانًا منه بأن الوفاء للتاريخ هو جزء من الوفاء للوطن.
كما ترك بصمته في العمل الإعلامي، فكان نائب رئيس اللجنة الإعلامية في المجلس، ويكتب أسبوعيًا في جريدة كربلاء التي كنت أترأس تحريرها، مقالا في زاوية مخصصة لذكر شهداء الحزب الشيوعي. وبرغم ما واجهه من انتقادات وضغوط لإيقاف تلك الزاوية، إلا انه واصل الكتابة بثبات وشجاعة، مؤكدًا أن “من ضحّى من أجل الوطن هو شهيد للوطن” مهما كان انتماؤه.
لقد مثّل بهذا الموقف أحد أهم أشكال التأثير المعنوي في بيئةٍ كانت تعاني من الانقسام والاصطفاف الحزبي، فبقي صوته شاهدًا على التوازن والإنصاف.
زرت الدكتور عبد الحميد صباح، امس، في بيته بحي الحسين في كربلاء، فوجدت أمامي ذاكرة متقدة تختزن تاريخًا وطنيًا مشرفًا، ورجلًا يسجل كل تفاصيل حياته في مذكرات، وكأنه يخشى أن تضيع لحظة من نضاله دون أن تُوثَّق.
كان مثالًا للطبيب الإنساني، والسياسي النزيه، والمثقف الملتزم، والمناضل الذي لم ينحنِ أمام الطغاة. لقد ترك الدكتور الفرج تأثيرًا عميقًا في كل من عرفه، ليس فقط بما كتبه أو فعله، بل بما مثّله من قيم الصدق والشجاعة والوفاء. إنه نموذج لرجلٍ قلَّ مثيله في تاريخنا الحديث، وما زال عطاؤه الإنساني والفكري مصدر إلهامٍ لكل من يؤمن بأن خدمة الوطن موقف لا مهنة.