شارع الكندي واحد من الشوارع الأنيقة في بغداد. وهو خلطة طيبة من عيادات طبية وصيدليات ومطاعم وكافيتريات ومحال ازياء ومواد غذائية والى آخره. ولسبب او آخر فانه نجا من نوبة الجنون الطائفي التي انتابت البلد خصوصا عامي 2006 – 2007 . ولكن الملفت ان لا مكان بين معروضاته لأشياء مثل الصحيفة والمجلة والكتاب. هذه الاشياء التي من المفترض ان تمثل حاجة او رغبة للفئات الاجتماعية التي تتمتع بمستوى تعليمي ومعيشي جيد. ومنطقة الحارثية التي يقع فيها شارع الكندي تضم فئات اجتماعية من هذا النوع.
ولا اعرف ما اذا كان الشارع كذلك على الدوام ام ان غياب المطبوع عنه يمثل عرضا جديدا. ولكن في كل الاحوال فان هذا العرض اصبح واحدا من المظاهر العقلية في عراق اليوم. وكلنا يتذكر القول السائر في عالم المطبوع العربي من ان القاهرة تؤلف وبيروت تطبع والعراق يقرأ. هذا المظهر اختفى. وكل الدلائل والشواهد تؤكد ان عراق اليوم لا يقرأ.
معدل طباعة الصحف احد تلك الأدلة. وهو يتراوح بين الف الى 5 آلاف يوميا في المعدل. وهذا يساوي في النسبة المئوية لا شيء قياسا الى شعب تعداده 30 مليون نسمة. نوعية الصحف نفسها دليل اخر على تغير عادات القراءة في البلد. فلو وجد هناك من يقرأ لما سمح لـ 90 % منها بالصدور نظرا الى تدني المستوى الى درجة مخجلة. ذلك ان القراءة عندما تكون عادة او تقليدا تنمي معها مستلزمات مستوى جيد من المطبوع. القراءة الجيدة تتطلب مقروءا جيدا.
لقد بلغ التدني في مستوى الصحافة درجة ان الصحيفة يصدرها شخصان او ثلاثة، لا هم لهم ولا اهتمام بالمهنة، وتوزع بالمال وتباع بالمجان. اي ان الموزع يتقاضى مالا من « صاحب الامتياز» عن توزيعها لباعة الصحف بالمجان، والأخيرون احرار في تسعيرها، واذا لم يجدوا لها مشتريا فانهم يربطون سعرها بصحف مقروءة نسبيا، وهكذا يمكنهم بيع اربع نسخ من اربع جرايد مختلفة بربع دينار. ثلاثة منها من النوع المجاني وواحدة من النوع الجدي.
وصاحب الجريدة اللاهية يستطيع تغطية الكلفة والربح اكثر من صاحب الجريدة الجدية، لأن الاول لا يخسر في كادر ولا في كتاب ولا في وكالات، وايضا لأن الاعلان اعمى لا يفرق بين الجد والعبث. بل ان العابث اشطر في جذب الاعلان، لأنه لم يفتح الدكان اصلا الا من اجل الاعلان والمال السياسي لا من اجل القارىء. والجرايد الزينة، ان وجدت، هي مع هذه الحال في خطر. اذ اعتقد انها لن تزيد عن ان تكون عوراء اذا كان محيطها اعمى.
وليس صحيحا ما يقال من ان الاعور في بلاد العميان ملك. اذ سيشد العميان عليه ويفقسون عينه. هذه هي القاعدة عندما يشذ المرء عن قومه في رؤية ما لا يرون.
ما احزن شارع الكندي وهو عامر بكل شيء الا المطبوع. ما احزن تلك الاقضية والنواحي والقرى البعيدة وهي خالية من مطبوع كان يسافر بنا من الوحشة الى كل العالم دونما حراك. ما احزن من ان نرى العراق وقد خسر عادة القراءة.