بغداد - العالم
أحيت مدينة كركوك الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل رائد المقامات الكوردي الفنان الكبير علي مردان ، الذي كرس حياته للحفاظ على التراث الغنائي والمقامي في العراق، مردان ولد في زقاقٍ متواضع من منطقة "التكية الطالبانية" وسط أحياء كركوك القديمة ذات الغالبية الكوردية، عام 1904، ليبدأ مسيرة فنية وروحية جعلته أحد أبرز رموز المقام الكوردي والعراقي، حيث لم يكن صوته مجرد وسيلة غناء، بل ذاكرة موسيقية حيّة لا تزال تتردد أصداؤها في أروقة التكية التي تربى فيها، والمجالس التي أحيت تراثه من بعده.
في طفولته، تعرض مردان لتوبيخ من عمه لأنه كان يردد المقامات في المنزل القريب من التكية، ولجأ الطفل إلى التكية باكيًا، حيث تبناه الشيخ إيسكو الذي تدخل لدى عمه قائلاً: "هذا الصبي يملك صوتًا لا يتكرر، دعوه يتعلم"، ومنذ تلك اللحظة، تعهد علي مردان لنفسه بأن يغوص عميقًا في بحور المقامات.
بدأ دراسته في تكية شيخ علي بكركوك، حيث تعلم تجويد القرآن وبعض المقامات الكوردية والتركمانية على يد الملا رؤوف، ولاحقًا، انتقل مع أسرته إلى قضاء ليلان، وهناك التقى بعازف الدف خضر برعام، الذي ساعده على تعميق معرفته بالمقامات الكوردية.
وفي بغداد، التحق علي مردان بالمعهد النموذجي للمكفوفين حيث تعلّم أصول الصولفيج وقواعد الموسيقى، وأصبح لاحقًا مدرسًا للمقامات فيه. كما تتلمذ على يد كبار الأساتذة العرب والفرس والكورد، منهم مرتضى خان الأصفهاني، ومحمد سعيدي، والسيد علي أصغري كوردستاني، الذي قضى معه أربعين ليلة يتدارسان أسرار المقامات.
وسجّل علي مردان في منتصف الستينيات العديد من أعماله في إذاعات بغداد وطهران وكرمانشاه، وكان أول فنان كوردي يسجِّل أعماله في إذاعات عربية مثل لبنان وسوريا والأردن.
امتدت مسيرة علي مردان لأكثر من 35 عامًا، سجّل خلالها أكثر من 1000 أغنية، و76 مقاماً كوردياً أصيلاً، مزج فيها بين المقامات الكوردية والعربية والفارسية والتركمانية.
وكان يعزف على العود والكمان والطنبور وآلات أخرى، ويمتلك حساً شعرياً نادرًا، حيث ألقى قصائد بعشرات الأبيات وغنّى أعمال شعراء كبار، محولًا إياها إلى تراث غنائي وخالد.
ويقول نجله، عبد القادر علي مردان، في حديث لوكالة شفق نيوز: "والدي كان أحد أبرز قرّاء المقامات الكوردية، وما زلت أحتفظ بأرشيف صوتي له على أسطوانات قديمة، سجّلها خلال حياته".
كما وصفه الفنان الكبير محمد القبانجي بأنه "أستاذ يمتلك مميزات الأستاذية في وضع المقام الشرقي والاستقلالية في بناء المقام الكوردي".
وتقول الحاجة نسرين، جارة الفنان الراحل، في حديثها لوكالة شفق نيوز: "كنت صغيرة وأسمعه يغني بصوت شجي، وكان يذهب إلى التكية الطالبانية بانتظام ليتعلم ضروب المقامات والقراءات".
وتضيف: "اليوم، منزله في كركوك لا يزال قائماً، مغلقًا بسلسلة حديدية، لكنه يحتفظ بداخله بذكريات لا تنسى". توفي الفنان علي مردان في 24 تموز/يوليو 1981 في بغداد، ونُقل جثمانه بسيارة إسعاف إلى كركوك حيث شُيّع رسميًا ودفن في مقبرة التكية، قرب منزله الأول، لتبقى روحه تستمع كل اثنين وخميس إلى المقامات القرآنية والصوفية التي تُتلى هناك حتى اليوم.
وتقديراً لإرثه، أُنشئ مركز علي مردان للمقامات في كركوك لتعليم الأجيال فن المقام. كما تقام سنويًا مهرجانات موسيقية باسمه، يشارك فيها قراء من مختلف القوميات، ويؤدون مقامات بالعربية والكوردية والتركمانية.