بغداد ـ العالم
مع دخول السياسات النقدية الجديدة حيز التنفيذ ورفع البنك المركزي نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف، عاد الجدل مجدداً حول مستقبل القطاع المصرفي العراقي، واحتمال تأثره بتجارب مالية سابقة شهدتها المنطقة، وعلى رأسها الأزمة اللبنانية التي عصفت بودائع المواطنين والمستثمرين.
الخبير في الشؤون المصرفية عبد الرحمن الشيخلي حذر من “تزايد المخاوف الشعبية من احتمال تكرار أزمة الودائع في بعض المصارف العراقية، في ظل تحديات مالية وضغوط نقدية تواجهها بعض المؤسسات المصرفية الأهلية وحتى الحكومية”.
وقال الشيخلي إن “القلق لا يتعلق بانهيار وشيك، بل بضرورة التحرك المبكر لمنع أي اهتزاز في الثقة المصرفية، لأن أي أزمة في هذا القطاع ستنعكس سريعاً على الاقتصاد الوطني وسعر الصرف والسيولة العامة”.
وأضاف أن “العراق يمتلك منظومة مصرفية واسعة، لكن الاعتماد الكبير على الدولار والتحويلات الخارجية يجعل بعض المصارف عرضة للتأثر بأي تغييرات أو قيود في النظام المالي الدولي أو من البنك المركزي نفسه”، مشيراً إلى أن “التحدي الأبرز يكمن في ضعف الرقابة على بعض المصارف الخاصة وغياب الشفافية في إدارة الودائع والاستثمارات”.
ولفت الشيخلي إلى أن “الفجوة بين المواطن والمصارف ما زالت قائمة، فالكثير من العراقيين يفضلون الاحتفاظ بأموالهم نقداً بدلاً من إيداعها، وهو ما يضعف السيولة الداخلية ويزيد هشاشة البنية المصرفية”، داعياً إلى “تفعيل أدوات الرقابة الصارمة على المصارف، وضمان الودائع الصغيرة والمتوسطة قانونياً، وإعادة بناء الثقة عبر الشفافية والإصلاح المؤسسي”.
وفي خضم هذه المخاوف، أعلن مصرف الطيف العراقي عن تعديل داخلي استجابة لتوجيهات البنك المركزي، موضحاً أن الأخير رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي من 8% إلى 18%، في خطوة تهدف إلى “تعزيز الاستقرار المالي وضمان سيولة أكبر داخل المصارف”.
وأشار المصرف في بيان رسمي إلى أنه “يعيد حالياً تقييم منتجاته الادخارية والخدمية بما ينسجم مع التعليمات الجديدة، ويضمن استمرار تقديم خدمات مرنة ومبتكرة تحقق مصالح الزبائن وتحافظ على التوازن التنظيمي”.
من جانبها، طمأنت اللجنة المالية النيابية المواطنين والمودعين، مؤكدة أن “الوضع المالي في العراق مستقر تماماً، وأن المقارنة مع التجربة اللبنانية غير دقيقة ومبالغ فيها”.
وقال عضو اللجنة معين الكاظمي إن “العراق اليوم يمتلك احتياطياً نقدياً يفوق 100 مليار دولار، إلى جانب احتياطي كبير من الذهب، مما يضعه في وضع مالي مريح يضمن استقرار الدينار والسيولة المصرفية”.
وأوضح الكاظمي أن “النظام المالي العراقي يخضع لرقابة صارمة من البنك المركزي، ويستند إلى عوائد نفطية مستقرة تشكل مصدراً دائماً لتمويل الإنفاق العام، بعكس لبنان الذي واجه أزمة ديون داخلية وعجزاً مزمناً في الموازنة مع غياب الغطاء النقدي الكافي”.
ودعا النائب إلى “عدم الانجرار وراء الشائعات أو المقارنات السطحية، لأن العراق يمتلك مقومات حماية نقدية متينة، ونظاماً مصرفياً قادراً على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية”.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن القرارات الأخيرة للبنك المركزي العراقي، رغم ما قد تسببه من ضغوط مؤقتة على بعض المصارف الأهلية، تهدف بالدرجة الأساس إلى تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وتنظيم حركة السيولة بما يتناسب مع متطلبات الاستقرار النقدي.
وبين التفاؤل الرسمي والحذر المهني، يبقى الملف المصرفي العراقي أمام اختبار حقيقي في الأشهر المقبلة، لا سيما مع سعي الحكومة لتوسيع الاعتماد على الجهاز المصرفي في تمويل المشاريع والاستثمارات، وتحويل الاقتصاد تدريجياً نحو مسار أكثر انضباطاً واستدامة.