اجنبي بين اجانب يعيشون في بلد اجنبي. هكذا وجدت نفسي اثناء حضوري عرسا باكستانيا في لندن. كان عدد الحضور اكثر من مئتي شخص، أغلبهم شبان من الجنسين، وأقلهم كهول. وكنت بمعية اسرتي نحتكر التمثيل الاجنبي في العرس. وحدنا كنا عربا في العرس الباكستاني المقام في عاصمة الانكليز. ولم يكن هناك احد من ابناء البلاد الاصليين.
ومثل هذا الوضع ربما كان سيسعد الفنان التشكيلي يوسف الناصر. فقبل ان يأتي لندن ويستقر فيها، كتب الي قائلا انه يخشى هذه المدينة اذ يقال ان فيها الكثير من الانكليز! ولربما عدت هذه الجملة طرفة. ولكن الواقع هو ان اقل الاقوام عددا في لندن هم الانكليز انفسهم.
وعلى الرغم من ذلك فقد شعرت ان الانكليز حاضرون في الحفل. فقد ساد الحفل الهدوء والنظام والاحترام والرقة والترف في الملبس والطعام والزينة. وكل هذه الاشياء مستمدة من نمط الحياة الانكليزية الذي تسري تأثيراته الظاهرة والخفية في الجاليات الاجنبية. وكان نصيب الهدوء اوفر مما تراه في عرس انكليزي. الأمر الذي جعل الحفل انسب لنا صنف الكهول الذين تتنزل الموسيقى الصاخبة فيهم منزل السكاكين على لحومهم التعبانة.
والعريس هو صديق طفولة ابني زيد. وبينهما من العواطف ما بين صديقين شرقيين أزليين. وكان زيد مثلما كانت ابنتي رباب باكستانيين في زييهما، فيما اظن انه لفتة تقدير لشخص العريس ولأمته. وتقدير الامم تقليد اصيل في الثقافة الانكلوسكسونية. فهي اكثر تقديرا للاختلافات القومية من الثقافة الفرنسية. الانكليز يعتبرون مقلديهم مسوخا، بينما يعتز الفرنسيون كثيرا بمقلديهم. ومن هنا مصدر اختلاف الاستعمارين. فالاستعمار الفرنسي كان مصهر فرنسة. بينما تمتع الاستعمار الانكليزي باحساس وتقدير للثقافات الاخرى.
ووجد اجانب العرس، اي انا وعائلتي، انفسهم موضع تقدير شخصي وعام. وهو تقدير لا يقوم على اساس التقليد الانكلوسكسوني، بل هو مصنوع من كد ذراعات اسلافنا العرب المسلمين. فهناك عروبة وهناك اسلام في الكثير من تفاصيل العرس، بدءا من اسمي العروسين وصولا الى اطول فعالية في العرس.
اسم العريس فرحان واسم العروس عنبر. والفعالية الاطول هي محاضرة دينية للشيخ الذي عقد عرس الزوجين. وهي محاضرة خفيفة لاحظت ان زيد كان منصرفا الى الاستماع اليها من كل قلبه. لكأنه مأخوذ بالشعور بأنه يسترد بضاعته من امة صديقة. وكانت المحاضرة مؤلفة من آيات قرآنية يتلوها الشيخ بعربية ممتازة، ثم يفسرها ويبني عليها بالانكليزية.
والمحاضرة تركز على قداسة الحياة الزوجية في الاسلام، واعتبار الأسرة اساسا ينتقل منه التعاون الى الأسرة الكبيرة وهي المجتمع او الأمة. كانت كلام محبة. ولم اشعر، في شكل الحفل على الأقل، ان هناك اختراقا لنظائر بن لادن. كان اسلاما متحضرا.
وأما الطعام فقد ذكرني بذلك العصر الذي شكلت فيه التوابل اساس المغامرة الغربية في الشرق. يوم كان البهار يباع في الغرب بالحبة الواحدة، ويساوي وزنه فضة. كانت التوابل لذلك الغرب ما صاره النفط له اليوم.
ايام الباكستانيين « فرحان» و» عنبر» في لندن. اللهم اجعلها كذلك في اسلام أباد!