تستهل سالاي استعراضها في صحيفة "نيويورك تايمز" المنشور في السابع من مايو الجاري بالإشارة إلى أن سفن الحاويات تصمم تصميماً عملياً سقيماً، فهي منصات معدنية عملاقة يظل انتقالها من ميناء إلى ميناء أمراً مسلماً به إلى أن تجنح على صخور كارثة ما، كأن تقع جائحة كالتي شهدناها قبل أعوام فيهتم المواطن العادي بالميناء الذي أقبلت منه سفينة معينة، أو كأن تفرض رسوم جمركية مفاجئة كالتي فرضها دونالد ترمب أخيراً فـ"تصبح المواقع الدقيقة لسفن الحاويات مسألة فاتنة للغاية، فعلى مدى الأسبوعين الماضيين ظل مستعملو مواقع التواصل الاجتماعي ينشرون خرائط متجددة لحركة البضائع وكأنهم يتابعون تقدم إعصار".
تكتب سالاي عن غرض كوميكاوا من كتابه إذ تنقل عنه قوله إن "المعهود هو أن يظل البعد المادي للعولمة مختفياً في الخلفية"، فالعولمة في الغالب تظهر في لغة مجردة، لكن كوميكاوا وجد سبيلاً لإظهار واقعية عمليات الاقتصاد العالمي المجردة بـ"أن ربطها بشيء ملموس" هو السفينة بيبي ريزوليوشن.
يكتب كوميكاوا في مقدمته أن الغالب على لغة العولمة والتحول الاقتصادي هو التجريد، والنزوع إلى توسيع الأسواق ورفع القيود و"الأمولة" بتحويل السلع المادية إلى أدوات مالية غير ملموسة. و"من بين آثار النطاق العريض من السياسات والأجندات التي غالباً ما توصف جميعاً بالنيوليبرالية أن شهدنا في الولايات المتحدة وغرب أوروبا إخراج وظائف التصنيع التقليدية إلى الخارج مع دعم نمو القطاع المالي. وتنطوي عملية ’الأمولة‘ في ذاتها على التجريد، والسفينة التي يرصد هذا الكتاب قصتها تنتمي إلى هذا العالم، فهي تكتسب معناها من الخواء والحيز القابل للملء".
ويقول "لقد قالت كبيرة مفتشي السجون البريطانية السابقة آن أويرز إن السفينة حاوية في المقام الأول، يتغير معناها وتتحدد وظيفتها بحسب ما أو من تحويه... وقابلية السفينة للامتلاء بأي شيء هي التي أتاحت تحول معانيها... وبهذا فإن خواءها هو سمتها المميزة".
ويمضي كوميكاوا فيقول إن السفينة "أداة مالية مجردة، استعملت لضمان سندات شركات دولية، وهي أيضاً أداة قانونية مجردة فكانت موضع نزاع في قضايا تحكيم في لندن وجزر فيرجن البريطانية، وموضوع قضية مهمة في القانون التجاري الإنجليزي. وقد أقيمت في الأساس نتيجة ابتكار في قانون البحار الدولي، وكانت في أول الأمر وسيلة للتحايل على قوانين الضرائب النرويجية. وكان تسجيلها وملكيتها يعتمدان على معاهدات دولية أخرى وقوانين ضريبية وطنية. وبصفتها سجناً ومكاناً للعمال أصبحت السفينة مسرحاً لسن أنواع أخرى من القوانين. فأصبحت بذلك موقعاً للقوى المجردة التي غيرت عالمنا على مدى الأعوام الـ40 الماضية".
تكتب سالاي أن كوميكاوا "يمنحنا نظرة من عين بارجة لما شهدته بطلة قصته على مدى تحولت فيه السفينة إلى شريك سلبي، وجوهري في الوقت نفسه في عالم سريع التغير".
"والكتاب ـ إلى جانب كتب أخرى من قبيل ’الكوكب الخفي‘ لأتوسا أراكسيا أبراهاميان و’شروخ الرأسمالية‘ لكوين سلوبوديان ـ يقدم تفاصيل مساعي الأثرياء إلى نقل ثرواتهم إلى الخارج هرباً من قيود السيادة الوطنية". ولأن الكتاب يصر أن مفاهيم العولمة وعملياتها المجردة إنما تقوم دائماً على أصول في الواقع المادي فإن كوميكاوا "يرى كتابه دليلاً للتحولات العالمية الكبرى وتجسدها وتجذرها الدائمين في أشياء ملموسة بل وقائمة في أحيان كثيرة على عنف مادي".
ولا يتجلى ارتباط السفينة بالعنف في استعمالها فقط مأوى للجيش البريطاني في المحيط الأطلسي، بل إن العنف ملاصق لها منذ بواكير وجودها. "فبناء السفن مهنة خطرة. ويصف كوميكاوا أن فينبودا السويدية العاملة في تصنيع السفن منذ أواسط القرن الـ19 كانت لا تزال تعاني حوادث بيئة العمل حينما أقامت السفينة، فكان العمال يتعرضون للأسبستوس وطلاء الرصاص، وشاع فيهم فقدان السمع، وكثيراً ما أجريت عمليات لانتزاع شظايا الصلب من عيونهم".
"تسلمت شركة نرويجية السفينة لتعمل في البداية في بحر الشمال. وهناك، بدأت تجني الأرباح من العمل في حقول النفط أو نقل بقايا السفن الحربية الألمانية المستخرجة من باطن الأرض، لكن الغرض الحقيقي منها تمثل في منح مستثمريها النرويجيين وسيلة قانونية للتهرب من دفع الضرائب، فيمكن القول إن قيمة السفينة بوصفها أداة مالية مجردة فاقت قيمتها بوصفها سفينة ملموسة".
"يتتبع كوميكاوا السفينة عبر مختلف أسمائها وتجسداتها. عام 1982 غزا المجلس العسكري الأرجنتيني جزر فوكلاند البريطانية فأُرسلت السفينة ـ وقد أعيد تسجيلها في المملكة المتحدة وتعميدها باسم إسبيريا الآمنة ـ إلى جنوب الأطلسي ليقيم فيها جنود بريطانيون. ولم تكن المملكة المتحدة هي التي اشترتها، وإنما شركة شحن خاصة اسمها ’بيبي لاين‘. فقد أبرمت حكومة مارغريت تاتشر المحافظة ’صفقة عسيرة‘ بين ’العولمة والقومية‘ بحسب ما يقول كوميكاوا، فصارت تروج الخصخصة بإحدى يديها، وبالأخرى ’تلوح برايات الوطنية‘".
"وتمضي السفينة لتصبح لاعباً صامتاً في ظاهرة تنامي عدد السجناء في الولايات المتحدة بوصفها سجن (بيير 36) العائم في منهاتن. ولما حان وقت أعادت فيه شركة ’بيبي لاين‘ تسجيل السفينة لتحمل علم البهاماس، طرح مالك الشركة البريطاني ديريك بيبي ’إعادة التسجيل وتغيير علم السفينة‘ باعتباره ’ضرورة اقتصادية‘، إذ كان رفع ’علم ملائم‘ لبلد مثل البهاماس أو ليبيريا يمنح المستثمرين الأثرياء ميزة انخفاض الضرائب وتساهل القوانين. ووصف بيبي ذلك بقوله ’إنه كان أمراً مؤسفاً، ولكن لا بد ألا نسمح لمشاعرنا بالسيطرة على أعمالنا‘".
يكتب كوميكاوا أن "السفينة التي يحكي هذا الكتاب حكايتها عاشت حياة عريضة، واحتوت حياة كثر أيضاً. فقد تفتقر في ذاتها إلى الجاذبية، بل هي على حد وصف أحد أوائل ملاكها ’أشبه بعلبة حذاء عملاق‘. وقد لا يوحي تصنيفها الفني ـ بوصفها ’طافية مصمتة‘ ـ بأكثر من الضخامة والصمت. ولكن لها على رغم جمودها وسكونها الظاهرين قصة تمثل نافذة على التغيرات الدينامية العميقة التي عصفت بالاقتصاد العالمي وصاغته على مدى الأعوام الـ40 الماضية".
فقد تعرضت السفينة "لتحولات اقتصادية مترابطة عميقة من قبيل نمو الاقتصاد الكربوني والعولمة و’الأمولة‘ والسجن الجماعي. وفي ثنايا ذلك، كانت هي نفسها مسرحاً تدور فيه رحى تلك التحولات الكاسحة. فقد أقيمت السفينة لخدمة صناعة الطاقة العالمية المتعددة الجنسيات، وعملت في جنوب الأطلسي لصرف الأنظار عن انتشار البطالة بسبب سياسات مارغريت تاتشر، ثم انتقلت على عجل إلى نيويورك للإسهام في معالجة مشكلة تضخم عدد السجناء الناجمة أصلاً عن ارتفاع البطالة وتقلص الخدمات العامة في أعوام حكم رونالد ريغان، وفي ثنايا ذلك كله كانت السفينة مملوكة ومسجلة المرة تلو المرة في ملاذات ضريبية آمنة".
وعلى رغم العولمة والتحول الاقتصادي اللذين تجسد السفينة قصتهما وتوضح أكثر جوانبهما فإن السفينة نفسها "كانت ولا تزال في الجوهر شيئاً ملموساً. والطبيعي أن يبقى بعد العولمة المادي في الخلفية، غير ملحوظ نسبياً. ويستوجب الأمر كارثة ـ من قبيل انهيار مادي كالذي وقع لحاوية إيفر غرين العملاقة في قناة السويس عام 2021 أو الحصار الروسي لموانئ الغلاف الأوكرانية في البحر الأسود ـ لإلقاء ضوء على البنية الأساسية المادية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي".
"وإذاً، تظل السفينة تذكرة لنا بأن كل التحولات الاقتصادية تقوم على عمليات مادية. وتظل قصتها تلقي الضوء على الآثار الشديدة الواقعية والمادية لتحولات الاقتصاد العالمي طوال أكثر من أربعة عقود. وهذه الآثار فوضوية، وأبعد ما تكون عن مراكز التسوق المتلألئة، وبنايات المكاتب الإدارية الزجاجية، والمواقع الإلكترونية الأنيقة. وعلى رغم خفائها في الغالب عن أنظار العامة، فهذه الآثار المادية أساسية للعمليات التي غيرت عالمنا وحياتنا".
ولو أن لدى أحد فضولاً لمعرفة مكان "بيبي ريزوليوشن" الآن وحالها، فهي لم تعد تحمل اسمها هذا أصلاً، إنما هي الآن (جاكسون 27)، وقد تقاعدت من الخدمة بعد انهيار سعر النفط في منتصف العقد الماضي، وآخر موقع معروف لها هو قبالة ساحل نيجيريا عام 2023، حيث ظل طاقم هندي منسياً عليها طوال تسعة أشهر من دون رواتب أو رقابة أو عمل.
ومع هذا، فقد لا يكون هذا هو الفصل الأخير في حياة السفينة، إذ يقول كوميكاوا إنها "بتعديل طفيف، تتحول من ثكنة إلى سجن، ومن فندق إلى سكن لعمال النفط، فلعل دوراً آخر للسفينة لم يظهر بعد".