ألكسندر كولي ودانيال نكسون*
لطالما كافح المحللون لوصف السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبما أن ترامب يرفض صراحةً النزعات الليبرالية الدولية، فقد ربطه كثيرون بنوع من الواقعية، تُفهم على أنها السعي إلى المصلحة الوطنية المحددة بالكامل بمفهوم القوة. وخلال ولايته الأولى، وبعد أن استحضرت استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 عبارة “منافسة القوى العظمى”، تعامل مجتمع السياسة الخارجية مع هذه العبارة باعتبارها الحلقة المفكِّكة للشفرة التي يمكن من خلالها عقلنة تحركاته. ومؤخراً، ادعى كثيرون، على العكس من ذلك، أن ترامب يفضّل بوضوح عالماً تتواطأ فيه القوى الكبرى على تقاسم العالم إلى مناطق نفوذ. وطوال ذلك، ظلّ التفسير الثابت الوحيد هو أن ترامب يتبنى مقاربة “صفقاتية” في السياسة الدولية—أي “فن الصفقة” بوصفه استراتيجية كبرى.
لكن هذه التقييمات جميعها تقوم على خطأ في التصنيف. فهي تنطلق من افتراض أن الهدف الأساسي لإدارة ترامب هو، كما تؤكد استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، تعزيز “المصالح الوطنية الجوهرية” للولايات المتحدة. وبالفعل، فإن النقاشات الأميركية حول السياسة الخارجية والأمن القومي والاستراتيجية الكبرى تفترض ضمناً أن القادة يصوغون السياسات لخدمة الصالح العام—حتى لو كانت رؤيتهم للمصلحة العامة معيبة—لا لإثراء أنفسهم أو تضخيم مجدهم الشخصي. ولهذا تجادل تحليلات كثيرة بأن “الولايات المتحدة” أو “واشنطن” ينبغي أن تعتمد سياسة معينة، على افتراض أن للولايات المتحدة مصالح تتجاوز الانقسامات الحزبية، وأن المسؤولين يشغلون مناصبهم بوصفها أمانة عامة.
غير أن إدارة ترامب دمّرت هذا الافتراض. وخصوصاً في ولايته الثانية، استخدم ترامب السياسة الخارجية الأميركية في المقام الأول لزيادة ثروته الخاصة، وتعزيز مكانته، وتحقيق منفعة شخصية لدائرة صغيرة من أفراد عائلته وأصدقائه والمخلصين له. وأصبحت السياسة الخارجية الأميركية الآن إلى حدّ كبير خاضعة للمصالح الخاصة للرئيس وأتباعه. وقد تتقاطع هذه المصالح، من وقت إلى آخر، مع تصور معقول للصالح العام. لكن في أحيان كثيرة، تستدعي الإدارة “المصالح الوطنية” الأميركية لصرف الانتباه عن تعاملاتها الذاتية، عبر تآكل التمييز بين مصالحها الخاصة ومصالح الشعب الأميركي.
لا تزال تقارير إخبارية كثيرة تتعامل مع الكيفية التي ستملأ بها صفقات ترامب الخارجية جيوب داعميه على أنها مدفوعات جانبية، لا الغاية الأساسية من إدارته لشؤون الدولة. لكن لو لم تكن السياسة الخارجية للإدارة ذات طبيعة كليبتوقراطية في جوهرها، لما كانت تسعى بصورة منهجية إلى تقويض استقلال—أو حتى تعطيل—المؤسسات التي صنعت تقليدياً السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع. ومن شبه المؤكد أن هذا التفكيك المؤسسي سيقوّض عملية صنع القرار الأميركي لعقد على الأقل. ولما كانت تعتمد على ممارسة يمكن تسميتها “التجميع الصفقاتي”، التي تدمج عمداً حلّ النزاعات، والمساومات الاقتصادية، والترتيبات التي تفيد المقرّبين من ترامب، في صفقات ضخمة ذات طابع استعراضي يصعب أو يستحيل التدقيق فيها. كما أنها لما كانت قد فككت بصورة منهجية عقوداً من الجهود الثنائية الحزبية لمكافحة الفساد الدولي.
"موجة أبوية"
يجادل العالِمان السياسيان ستيفن هانسون وجيفري كوبشتاين بأن “الترامبية” جزء من “موجة أبوية” عالمية، اجتاحت أيضاً دولاً مثل هنغاريا وإسرائيل وروسيا وتركيا. وفي هذه البلدان جميعها—بدرجات متفاوتة من النجاح—سعى القادة إلى إعادة تشكيل الدولة الحديثة البيروقراطية، وغالباً الديمقراطية، لتصبح امتداداً لسلطتهم الشخصية أو سلطة أحزابهم. وتحتفظ هذه الأنظمة “شبه الأبوية” بمظهر الإجراءات المحايدة ومظاهر البيروقراطية المهنية، لكنها تعيّن المقرّبين في مواقع السياسات المتخصصة، وتقوّض استقلال الخدمة المدنية، وتعيد توجيه أدوات الإدارة لمكافأة المؤيدين ومعاقبة الخصوم.
في نظام شبه أبوي، يمكن أن يكون الفساد وسيلة لغاية—أداة للحفاظ على الولاء، وبناء التحالفات، وترسيخ السلطة. لكن نزعة ترامب ليست أبوية فحسب؛ بل كليبتوقراطية. ففي الكليبتوقراطيات، يكون الفساد هو الغاية؛ إذ إن الهدف من تولّي المنصب والاحتفاظ به هو إثراء الحاكم ودائرته الداخلية. ويصبح التنظيم، وإنفاذ القانون، والمشتريات العامة، وحتى الدبلوماسية، وسائل للتعامل الذاتي—لاستخراج الموارد، والسيطرة على تدفقات الدخل، وتحويل الثروة إلى العائلة والأصدقاء والحلفاء.
التاريخ السياسي الأميركي حافل بأمثلة على الفساد. لكن مع مرور الوقت، أنشأت الولايات المتحدة حماية قوية ضد الكليبتوقراطية الصريحة، خصوصاً على المستوى الوطني، بما في ذلك محاكم مستقلة ورقابة تشريعية. وقد حدّ قانون بندلتون لعام 1883 من نظام الغنائم عبر إنشاء خدمة مدنية قائمة على الجدارة. وعلى مرّ الزمن، خفّضت إصلاحات إضافية—مثل قواعد صارمة للمشتريات الحكومية، ومتطلبات الإفصاح المالي، وإنشاء المفتشين العامين—فرص الكسب غير المشروع.
ومع ذلك، ظلّت الولايات المتحدة استثناءً بين الديمقراطيات الراسخة: إذ درج الرؤساء الأميركيون على تعيين متبرعين أثرياء في مناصب سفراء، وملء عدد أكبر من المواقع القيادية بتعيينات سياسية. ومع ذلك، اعتمدت واشنطن لعقود، قبل الولاية الثانية لترامب، على جهاز سياسة خارجية عالي المؤسسية، في محاولة لضمان أن تعكس الاستراتيجية الأميركية في الخارج المصالح الوطنية. وعلى الرغم من أن الرئيس يتمتع بسلطة واسعة لتعريف تلك المصالح، فإنه لم يكن يستطيع ببساطة فرضها. وكان مشرّعون من الحزبين يعتبرون حماية صلاحيات الكونغرس من تجاوزات الرئاسة الإمبراطورية واجباً لهم.
اجتثاث “الدولة العميقة”
كانت السياسة الخارجية تُصاغ عبر وكالات بيروقراطية متعددة، مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية والإدارة الوطنية للأمن النووي. وكانت هذه الوكالات staffed primarily by موظفين مهنيين وعسكريين. واستندت مخرجاتها إلى خبرة مسؤولين مهنيين متخصصين في موضوعات أو دول ومناطق بعينها. وكان مجلس الأمن القومي ينسّق المداولات. وعلى الرغم من تعقيد هذا النظام، فقد وفر فوائد عديدة، منها الحفاظ على استمرارية السياسات بين الإدارات، بما أتاح للولايات المتحدة الالتزام بشكل موثوق بالمعاهدات طويلة الأمد. كما مكّن الموظفين غير الحزبيين من إثارة المخاوف بشأن ما إذا كانت الصفقات المقترحة تخدم الصالح العام، وطرح أسئلة حول جدواها أو قانونيتها، أو الإبلاغ عن سلوك غير أخلاقي.
يدّعي مسؤولو ترامب أنهم يريدون اجتثاث “الدولة العميقة” التي تسعى إلى تخريب مبادرات الرئيس. لكن في الواقع، تريد الإدارة أكثر من جهاز مطيع؛ إنها تسعى إلى تعطيل جهاز السياسة الخارجية بالكامل. ويتجلى ذلك بوضوح في التفكيك الكامل للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي أشرفت لعقود على برامج المساعدات الخارجية. وفي عام 2025، أُقيل أكثر من 1350 موظفاً مهنياً في وزارة الخارجية باسم مكافحة التضخم الإداري. كما جرى تقليص مجلس الأمن القومي بصورة أشد، ووُضع تحت سيطرة وزير الخارجية ماركو روبيو، بدل أن يعمل مستقلاً. وذكرت تقارير أن عدد العاملين فيه انخفض إلى أقل من 100، بعد أن كان نحو 350 خلال عهد جو بايدن، وأنه يعقد اجتماعات بين الوكالات أقل بكثير.
أتاحت هذه التحركات المجال لسياسة خارجية يديرها عدد محدود من أصدقاء الرئيس وداعميه. ومنهم ستيف ويتكوف، قطب العقارات في نيويورك، الذي عيّنه ترامب مبعوثاً فعلياً رغم افتقاره لأي خبرة حكومية أو دبلوماسية، مستنداً إلى صداقته الشخصية مع الرئيس. وأرسله للتفاوض مع الإمارات وإيران وحماس وإسرائيل وروسيا وأوكرانيا، غالباً بمفرده.
ويشير المقال إلى صفقات كبرى أُعلنت بعد جولة ترامب في الشرق الأوسط عام 2025، تضمنت تعهدات استثمارية سعودية بمئات المليارات من الدولارات، وصفقات تسليح ضخمة، واتفاقات مع قطر شملت طلبيات قياسية لطائرات بوينغ وتحديث قواعد عسكرية. كما ترافقت هذه الترتيبات مع صفقات تعود بالنفع المباشر على ترامب وعائلته، بما في ذلك هدية طائرة فاخرة من قطر، ومشاريع عقارية في الإمارات.
ويخلص الكاتبان إلى أن مقاربة ترامب لا تتيح الفساد فحسب، بل تُخفيه بصورة منهجية. فحزم الصفقات الضخمة، والعناوين المالية الاستعراضية، والتشابك بين المصالح الوطنية والشخصية، تجعل التدقيق صعباً للغاية.
تداخل الفساد الخارجي مع الداخلي
وفي ولايته الثانية، عكس ترامب مسار جهود مكافحة الفساد، عبر تعليق إنفاذ قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة، وإضعاف قانون الشفافية المؤسسية، وتفكيك وحدات إنفاذ القوانين المتعلقة بالعملات المشفّرة. كما استخدم سلطة العفو الرئاسي لإسقاط إدانات شخصيات مرتبطة بجرائم مالية أو تهريب مخدرات.
ويحذر المقال من أن دمج الكليبتوقراطية مع اليمين المتطرف يجعل الفساد أكثر ديمومة، ويخلق حلقة مفرغة يتغذى فيها الفساد الخارجي والداخلي بعضهما على بعض. ويرى الكاتبان أن تطبيع هذا النهج بوصفه “واقعية” أو “منافسة قوى عظمى” يخفي حقيقته. فسياسة ترامب الخارجية، بحسب رأيهما، تمثل تهديداً وجودياً لإمكانية إعادة بناء جمهورية دستورية في الولايات المتحدة، ولصمود الديمقراطيات في الخارج.
* ألكسندر كولي أستاذ العلوم السياسية في كلية بارنارد وزميل أول غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية،
** دانيال نكسون أستاذ في قسم الحكومة وكلية والش للخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون.