جاك دريدا يناقش «عقيدة فرويد الأولى»
5-كانون الثاني-2026

مارلين كنعان
في السنة الأكاديمية 1969-1970، وبطلب من الناقد والمنظّر الأدبي الأميركي بول دو مان (1919-1983)، خصّ الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930-2004) مجموعة من الطلاب القادمين إلى باريس من جامعات أميركية مختلفة، مثل جونز هوبكنز وكورنيل، بحلقة دراسية تناول فيها مسألة العلاقات بين التحليل النفسي والنقد الأدبي، مناقشاً أفكار فرويد ولاكان. حملت هذه الحلقة عنوان "التحليل النفسي والنقد الأدبي" واعتُبرت واحدة من الحلقات الدراسية النادرة التي عالجت الجمالية الفرويدية، مشكّلة مناسبة لتقديم شروح معمقة حول ما سماه دريدا "عقيدة فرويد الأولى"، أي نظريته القائمة على هيمنة مبدأ اللذة.
برع دريدا في تقديم هذه الحلقة الدراسية التي تبدّى فيها عالِماً متمكّناً من النصوص الأدبية والنظرية الفرويدية على السواء، ونجحت باسكال-آن برو وإليزابيث روتنبرغ في تحرير دروسها وإعدادها للنشر، بطلب من منشورات "سوي"، وها هي تصدر في كتاب يقع في 216 صفحة عن الدار العريقة في سلسلة "مكتبة دريدا"، (2025). شكّلت هذه الدروس حلقة أولى في سلسلة "أميركية -باريسية"، وهي باكورة ما نُشر منها. ولعلها أتت في لحظة فاصلة أُسدل فيها الستار على عقد الستينيات وافتتاح عقد السبعينيات. من هنا، اكتسبت هذه الدروس مكانة "إستراتيجية"، لا بالنسبة إلى كتابات دريدا وحسب، بل للمرحلة الفكرية بأسرها.
في مقدمة الكتاب، تقول باسكال-آن برو وإليزابيث روتنبرغ إن دريدا كتب بين الأعوام 1960 و2003 ما يقارب 14 ألف صفحة مطبوعة على الآلة الكاتبة هي عبارة عن المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية التي ألقاها في باريس في جامعة السوربون، وفي المدرسة العليا للمعلمين، وفي مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وإن نشر هذه الدروس ضمن سلسلة "حلقات جاك دريدا الدراسية" الصادرة ضمن مجموعة "مكتبة دريدا"، يشكل فرصة للمهتمين بالتحليل النفسي وبفكر دريدا للاطلاع على مضمون هذه الدروس التي كان يتمتع فيها الفيلسوف بحرية اختيار المواضيع، والتي غالباً ما كان يطورها على امتداد عامين أو ثلاثة، كأنها مختبر يبحث فيه أفكاراً سينشرها لاحقاً بصيغ معدّلة.
حرصت باسكال-آن برو وإليزابيث روتنبرغ في تحريريهما هذه الدروس على أن تكونا وفيتين، قدر الإمكان، للنص كما وضعه جاك دريدا نفسه. إذ تعترفان أن دريدا كان يُعِدّ لكل حصة نصاً كاملاً، لكنه كان يلجأ أحياناً إلى وضع إشارات تحيله إلى نصوص أو اقتباسات يستشهد بها، كأن يكتب في الهوامش كلمة "تعليق" للدلالة على لحظات الارتجال، أو يعمد إلى كتابات تعليقات بين السطور. غير أنه، ولحسن الحظ، توفرت تسجيلات صوتية لهذه الدروس والمحاضرات، ما مكّن المحرّرتان من إدراج هذه الإضافات التي ارتجلها دريدا شفهياً أثناء إعطائه الحصص في متن النص.
ودريدا الذي ارتبط اسمه بالتفكيكية التي حددها في كتابه "في علم الكتابة" (1967) وفي "رسالة إلى صديق ياباني"، والذي استعرض فيهما التفاعلَ بين اللغة وبناء المعنى، حرّر الكتابة من فكرة المعاني الثابتة المطلقة أو ما سماه "مركزية اللوغوس"، مبيّناً أنها دائمة التغير والتحول، وأن الكلمات تستمد معناها من الكلمات الأخرى ومن السياق، وأن المعاني تنتج من خلال الاختلاف لا التشابه. وهو حين أعطى هذه الدروس كان يستعدّ لمقاربة نصوص مختلفة يستكشف من خلالها جوانب نظريته في مسائل المنهج والمفهوم والكتابة الأدبية واللغة والنقد والمعنى، كتناوله في "جلسة مزدوجة" قراءة جان-بيار ريشار النقدية لقصائد مالارميه التي نُشرت في مجلة "تل كل" عام 1971 بطلب من الروائي والناقد الفرنسي الكبير فيليب سوليرس، ثم نشرت مجدداً عام 1972، ثم نصه الآخر الذي نشر في "نواقيس" الصادر عن دار غاليليه عام 1974 والذي استند أيضاً إلى حلقة دراسية أدارها دريدا في المدرسة العليا للمعلمين في شارع أولم، تناول فيها جان جينيه والعلاقة بين نصوصه ونصوص أخرى، ولو كانت هذه النصوص مختلفة بعضها عن بعض، إلا أنها وفق دريدا ليست كذلك. ذلك أن لا معنى ناجزاً ومنتهياً ومكتملاً لأي نصّ أدبي.
بمعنى ما، فإن الدروس الثمانية التي ألقاها دريدا في العام الجامعي 1969-1970 والتي خصّصها لموضوع التحليل النفسي والنقد الأدبي، أتت لتعمّق الخلاصة التي كان قد توصل إليها في النص الذي نشره عام 1966. تناولت هذه الدروس مسألة "المقاومة" المتبادلة وكذلك مسألة "الانجذاب" بين التحليل النفسي والنقد الأدبي ولو أظهر الفيلسوف "عجز" التحليل النفسي عن "الإمساك بلسان النص الأدبي، أي "بما يُشكل فرادته الدلالية وطابعه الأدبي تحديداً"، مشدداً على أن فرويد، على رغم استناده إلى الأدب لـ"تمثيل" المفاهيم الأساسية في نظريته، فلم يكن يهتم سوى بدوافع ورغبات المؤلف، وتأثير النص في القارئ، وبمتعة الحكاية المروية، معترفاً في الوقت عينه بأن هذا العجز قوبل بعجز مشابه في النقد، الذي ظل مواضيعياً. ويرى أن التحليل النفسي الفرويدي، على رغم أهميته، ظل واقعاً ضمن "ميتافيزيقا الحضور" التي سعت إلى ترسيخ معانٍ ثابتة ومحددة للنصوص، وهو ما يتعارض مع رؤيته التفكيكية التي تؤكد عدم استقرار المعنى وتعدده.
مع ذلك، يعترف دريدا أن التحليل النفسي زعزع اليقينيات الأدبية، عندما وضع كل قيم الأدب التقليدية لا سيما سلطة الوعي وسيطرته موضع تساؤل، لكنه سرعان ما اعترف أن التحليل النفسي ولّد "حلولاً وسطية بين الآلة النقدية القديمة وإعادة الهيكلة انطلاقاً من موضع اللاوعي".
في هذا السياق، يرى دريدا، كما سبق وأشرت، تقدماً ملحوظاً عند لاكان، الذي أفرد له الجلسة الأخيرة من حلقته الدراسية. معه بدأ التحليل النفسي بالاعتراف بسلطة الدال في النص الأدبي، تلك السلطة التي كانت مُهملة على نطاق واسع. واعتراف لاكان بالبنية الشكلية والدالّية للنص أحدث قطيعة مع النزعة التفسيرية التي كانت تسعى إلى الإحالة المباشرة من الأدب إلى حياة المؤلف أو إلى رغباته اللاواعية، مما وضع النص الأدبي، على ما يقول الفيلسوف، في قلب شبكة من العلاقات اللغوية التي تقاوم الاختزال والتمثيل.
يختم دريدا حلقته الدراسية بعبارة سيُكررها لاحقاً تُعبّر في آن عن عناد البحث ولا يقينية النتيجة: "لسنا قريبين من أن نعرف ما خصوصية هذه اللغة التي تُسمى الأدب، على افتراض أنها موجودة"، لكننا، نقترب منها قدر المستطاع إن أخذنا بالاعتبار استحالة اختزالها إلى وحدة معنى، وغموضها البنيوي "الذي لا يُحسم"، مما يحرم، في الوقت عينه، المؤلف من السيطرة على إبداعه، والناقد أو القارئ من السيطرة على قراءته".
ختاماً، يقدم كتاب "التحليل النفسي والنقد الأدبي" سياقاً أدبياً بالغ الأهمية لأعمال دريدا اللاحقة حول التحليل النفسي. فهو في تفكّره في العلاقة بين الأدب واللاوعي، بين الدال والرغبة، وبين الكتابة ومقاومة المعنى يفتح أفقاً في النقاش حول إستراتيجيات قراءة النصوص الأدبية.

العراق فوق كل اعتبار
23-حزيران-2026
حصر السلاح بيد الدولة.. بين ضرورات الاستقرار وتحديات الواقع
23-حزيران-2026
كيف حولت السينما الأفكار المجردة إلى صور؟
23-حزيران-2026
هابرماس فيلسوف المراجعات الكبرى جرفه «الطوفان»
23-حزيران-2026
الذكاء الاصطناعي «يسرب» أسئلة الامتحانات لتلامذة بريطانيين
23-حزيران-2026
الأفاعي والتماسيح تحيط بـ «رونالدو وهالاند» في كأس العالم
23-حزيران-2026
وفاة أول شرطية مرور في اليمن
23-حزيران-2026
«كسرتني بموتك».. أسرة العندليب تكشف كواليس اللقاء الأخير بين عبد الوهاب وحليم
23-حزيران-2026
الاقتصاد العراقي بين الريع والنهوض الحضاري
23-حزيران-2026
لغة الازياء .. عندما تتحدث الحضارة بصمت ..
23-حزيران-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech