بغداد ـ العالم
يتزايد الجدل في الأوساط الاقتصادية والسياسية العراقية بشأن مستقبل الوضع المالي للبلاد، وسط تحذيرات متصاعدة من خبراء مستقلين حول "مرحلة حرجة" ستبدأ فعليًا مع تولي الحكومة المقبلة مهامها. فبعد سنوات من الإنفاق المرتفع وسياسات التعيين الواسعة والاقتراض الداخلي المكثّف، باتت خزينة الدولة في وضع شديد الهشاشة، فيما تتقلّص الإيرادات الفعلية وتتآكل قدرة الحكومة على تمويل الموازنة التشغيلية والاستثمارية على حد سواء.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه حكومة محمد شياع السوداني المنتهية ولايتها أنها وضعت "أسسًا إصلاحية في الإدارة المالية والقطاع المصرفي والخدمات العامة"، يتهم اقتصاديون الحكومة السابقة بأنها استنزفت موارد الدولة، وأغرقت المالية العراقية في أكبر موجة اقتراض داخلي بتاريخها، وهو ما جعل خيارات الحكومة المقبلة محدودة للغاية، وصولًا إلى احتمال رفع سعر صرف الدولار مجددًا كحل سريع لتقليل العجز وتوفير السيولة.
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن العراق يدخل مرحلة مالية غير مسبوقة من التعقيد، بفعل تراجع إيرادات النفط وتضخم الالتزامات الحكومية. فالموازنة الثلاثية التي أقرها البرلمان منحت حكومة السوداني سقوفًا عالية للصرف، لم تتمكن الإيرادات الفعلية من تغطيتها، ما دفع الحكومة إلى الاقتراض الداخلي بشكل مكثّف، وإلى السحب من سيولة المصارف الحكومية التي تواجه الآن خطر النفاد.
ويرى اقتصاديون أن "الفجوة المالية" بين الإيرادات والنفقات أصبحت شديدة الاتساع، وأن السياسة المالية خلال السنوات الماضية "أوصلت البلاد إلى أكبر اقتراض داخلي منذ تأسيس الدولة العراقية".
ويؤكد هؤلاء أن الحكومة الجديدة ستواجه عجزًا شبه مستحيل التغطية بالأدوات التقليدية، ما يجعل تعديل سعر الصرف خيارًا مطروحًا بقوة على الطاولة.
الأستاذ في جامعة المعقل نبيل المرسومي يؤكد أن العراق يقف أمام فجوة مالية "حقيقية وواضحة"، لافتًا إلى أن الإيرادات العامة لم تعد قادرة على تغطية النفقات الحكومية. ويضيف أن الحكومة اضطرت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى الاقتراض الداخلي بنحو 35 تريليون دينار، في حين بلغت ديون المقاولين نحو 5 تريليونات دينار، وهي أرقام لم تسجل سابقًا بهذا الحجم.
ويحذر المرسومي من أن المصارف الحكومية "تقترب من نقطة العجز عن توفير السيولة اللازمة لإقراض الحكومة"، ويشير إلى أن البنك المركزي بدوره "خصم ما يقارب 50 تريليون دينار لصالح الحكومة"، وهو رقم كبير يهدد استقرار العملة المحلية ويضعف أدوات السياسة النقدية.
وبحسبه، فإن ضغط الإنفاق العام سيقود إلى صدام محتوم بين الدولة التي تعتمد كليًا على ريعية عائدات النفط، وبين مجتمع تعوّد على نمط حياة ريعي قائم على الوظائف الحكومية ورواتب الرعاية الاجتماعية.
ويتابع المرسومي أن العراق فشل في استثمار فوائضه المالية السابقة لبناء اقتصاد متنوع، ولم ينجح في تأسيس صندوق سيادي يمكّنه من امتصاص الصدمات المالية، مما يجعل الوضع أخطر عند انخفاض أسعار النفط، لاسيما مع توقع فترة طويلة من هبوط أسعار الأصول عالميًا خلال السنوات الثلاث المقبلة بالتزامن مع تغيّر المعادلات السياسية والاقتصادية الدولية.
ويعرض الخبير الاقتصادي منار العبيدي أبرز التحديات المالية التي ستواجه الحكومة الجديدة، وتتمثل في فخ الموازنة الجامدة: حيث تستنزف الرواتب والرعاية الاجتماعية أكثر من 90% من الإيرادات، وهو ما يلغي فرص الاستثمار الحقيقي، وارتفاع نقطة التعادل؛ إذ تحتاج الموازنة إلى سعر نفط يقارب 90 دولارًا لتغطية النفقات، ما يجعل الرواتب مهددة عند أي انخفاض عالمي للأسعار.
كما اشار الى ان من بين التحديات الاخرى هو أزمة السيولة الداخلية: مع استنزاف المصارف الحكومية نتيجة الاقتراض المستمر، تصبح أدوات التمويل التقليدية عاجزة عن سد العجز المقبل.
هذه التحديات، وفق العبيدي، تجعل الموازنة العامة "قنبلة موقوتة" بانتظار الحكومة المقبلة.
من جانبه، يرى الأكاديمي خطاب الضامن أن حكومة السوداني ركزت منذ اليوم الأول على ملفات حساسة مثل الفقر والبطالة وضعف البنى التحتية، ما دفعها لاتخاذ قرارات واسعة بتثبيت مئات الآلاف من الأجراء اليوميين والمتعاقدين وتحويلهم إلى موظفين دائمين، بالإضافة إلى شمول أكثر من مليون شخص برواتب الحماية الاجتماعية وتوسيع الإنفاق على البنى التحتية، لاسيما في بغداد.
لكن الضامن يشير إلى أن هذه الإجراءات "أثقلت الموازنة العامة" ورفعت الدين العام إلى أكثر من 90 تريليون دينار، فيما تجاوز الدين الخارجي 30 مليار دولار، ما يجعل الحكومة المقبلة أمام تحديات شديدة، أبرزها تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين والنفقات التشغيلية، وتسديد فوائد الديون الداخلية والخارجية، وتمويل مشاريع الاستثمار والبنى التحتية والخدمات العامة، ومواجهة النمو السكاني المتصاعد الذي يتجاوز مليون نسمة سنويًا، وإدارة أزمة المياه والتغير المناخي وتأثيرهما على الزراعة والاقتصاد.
وبناءً على هذه المؤشرات، يؤكد الضامن أن رفع سعر الصرف سيكون "الخيار الوحيد والسريع" أمام الحكومة المقبلة لزيادة الإيرادات وسد الالتزامات المالية، لكنه يضيف أن هذا القرار "سيؤثر مباشرة على معيشة المواطنين" عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار.