بغداد _ العالم
لعدة ساعات متواصلة، تتصاعد أبخرة القدور فوق مواقد منازل أبناء طائفة الصابئة المندائيين في العراق، إيذاناً بطهي أكلة “الهريسة”، في طقس ديني رمزي يُحيى سنوياً، خُصص له يوم الجمعة تمهيداً لتناوله صباح اليوم التالي، ضمن مناسبة تستذكر مرحلة تهيئة الأرض لخلق البشر وفق المعتقد المندائي.
وتمثل “الهريسة” لدى الصابئة المندائيين أكثر من مجرد طعام تقليدي، إذ ترتبط بجذور عقائدية تعود إلى بدايات الخلق. وتتكون هذه الأكلة من سبعة أنواع من الحبوب هي: الباقلاء، الحمص، الحبية، اللوبيا، الفاصوليا، العدس، والماش، على أن تكون “الحبية” المكوّن الأساس، مع نسب أقل من بقية الحبوب. وتُجمع هذه المكونات في قدر كبير مملوء بالماء، وتُترك لساعات طويلة على نار هادئة حتى تنضج وتتماسك.
ويقول رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم، الشيخ ستار جبار الحلو، إن طقس “أبو الهريس” يمثل استذكاراً لبداية الخلق، موضحاً أن العقيدة المندائية تروي أن “الحي العظيم” أمر بتهيئة الأرض قبل خلق آدم وحواء، فأنزل الملك جبرائيل الرسول ليهيئها من أنهار وبذور وأسماك وكل مقومات الحياة، لتكون صالحة لعيش الإنسان. ويضيف الحلو أن أول ما أنبتته الأرض، بحسب المعتقد، كان هذه الحبوب، ولذلك تُطهى استذكاراً لتلك اللحظة المفصلية من الخليقة. ويشير إلى أن الرقم سبعة يحمل دلالة روحية خاصة، ليس فقط في الديانة المندائية، بل في معظم الديانات السماوية والروحية، ما يضفي على هذا الطقس بعداً رمزياً عميقاً. كما تُعد المناسبة فرصة لاستذكار أرواح الراحلين من أبناء الطائفة، والدعاء لهم بالانتقال من العالم المادي إلى عالم الأنوار الخالدة. ولا تقتصر “الهريسة” على الصابئة المندائيين، فهي حاضرة في مناسبات دينية لدى مكونات أخرى. ففي المجتمع المسيحي تُعد هذه الأكلة، لا سيما في القرى والأرياف، خلال أعياد القديسين، بينما تحظى بمكانة خاصة لدى المسلمين الشيعة، حيث تُطهى بكميات كبيرة وفي قدور ضخمة خلال مراسم عاشوراء في شهر محرم، وترتبط بتوزيع الطعام طلباً للأجر والثواب في ذكرى واقعة كربلاء. وتُعد الصابئة المندائية من أقدم الديانات التوحيدية في وادي الرافدين، ونبيها يحيى بن زكريا. ويتحدث أتباعها اللغة الآرامية، التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهي اللغة ذاتها التي كُتب بها كتابهم المقدس “كنزا ربا”. ويُعد التعميد في مياه الأنهار الجارية من أبرز طقوسهم الدينية، حيث ينزل المندائيون إلى النهر بإشراف رجل دين يُعرف بـ”الترميذا”، مرتدين ملابس قطنية بيضاء تسمى “الرستة”، مع تلاوة نصوص من الكتاب المقدس. ويشرح الحلو أن “كنزا ربا”، الذي يعني “الكنز الكبير”، يتضمن في جزئه الأول تعاليم الخلق وبدايات التكوين والصراع بين الخير والشر، فيما يتناول الجزء الثاني مصير النفس بعد الموت ورحلتها من الجسد إلى عالم النور، وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب.
وعلى الرغم من عمق جذورهم التاريخية، واجه أبناء الديانة المندائية في العراق تحديات كبيرة خلال العقود الماضية، دفعت أعداداً كبيرة منهم إلى الهجرة خارج البلاد أو الانتقال من مدن الجنوب إلى إقليم كوردستان، حيث استقرت آلاف العائلات في أربيل، التي فتحت لهم معبداً لممارسة طقوسهم الدينية، واحتضنت المئات من صاغة الذهب، وهي المهنة الأشهر لدى أبناء الطائفة.