الكثرة المفرطة في المرشحين والقوائم الانتخابية
5-تشرين الثاني-2025

حين تنطلق العملية الانتخابية في بلد ما، ينتظر الناس منها أن تكون مناسبة لترتيب القوى السياسية، وتجديد الدماء، وفتح أبواب الأمل نحو التغيير وتحسين الأداء العام للدولة والمجتمع. لكن حين تتحول الانتخابات إلى ساحة مكتظة بمئات المرشحين وعشرات القوائم المتنافرة، يصبح السؤال المطروح ليس: «من سينجح؟» بل «ما الذي يدفع كل هؤلاء إلى الترشح أصلاً؟» الكثرة المفرطة في عدد المرشحين لا تعكس بالضرورة حيوية سياسية، بل قد تكون في كثير من الأحيان علامة على غياب الوعي السياسي وعدم إدراك طبيعة العملية الانتخابية نفسها. فالسياسة ليست مجالًا لتسجيل الحضور، ولا ساحة لعرض الطموحات الفردية، بل هي فن تنظيم القوى لتحقيق أهداف عامة. وعندما يدخل عشرات أو مئات المرشحين إلى السباق دون مشروع فكري واضح، أو قدرة تنظيمية فعلية، أو رؤية حضارية للدولة، فإنهم لا يضيفون شيئًا إلى تقدم المجتمع، بل يساهمون في تشتيت الأصوات وإضعاف فرص التغيير نحو الأفضل.
الوعي السياسي الحضاري يبدأ من إدراك حقيقة بسيطة: العدد الكبير لا يعني القوة. بل إن القوة تنشأ من القدرة على الائتلاف، والتنسيق، والتكامل، وهي مهارات تحتاج إلى نضج سياسي، وثقافة تعاون، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية أو الفئوية. إن تعدد القوائم عند غياب البرامج المشتركة يدل على أن القوى السياسية تعيش مرحلة بدائية من الوعي، حيث يظن كل طرف أن القدرة على المشاركة في الانتخابات بحد ذاتها هي إنجاز. بينما في التجارب الديمقراطية الناضجة، تتنافس القوى عبر كتل كبرى وبرامج شاملة، لا عبر عشرات التجمعات الصغيرة التي تنتهي في الغالب إلى لا شيء.
أما أثر هذا التشتت على العملية الانتخابية فهو واضح: الأصوات تتوزع بين المرشحين بشكل يجعل النتائج تصب في النهاية لصالح القوى التقليدية أو الراسخة التي تملك أدوات التنظيم، والمال، والخبرة، والدعم المؤسسي. وهكذا تتحول الانتخابات من فرصة للتغيير إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع نفسه. فبدل أن تكون صناديق الاقتراع وسيلة لفتح الطريق نحو دولة حضارية حديثة تقوم على الإتقان والمسؤولية والمحاسبة، تصبح مجرد مشهد موسمي ينتهي إلى الإحباط، لأن القوى الإصلاحية نفسها هي التي أسهمت في إضعاف ذاتها عبر التشتت والمبالغة في الترشح.
من هنا، فإن الخطوة الأولى في بناء حياة سياسية حضارية هي الانتقال من منطق “كلٌ يترشح” إلى منطق “نتحالف لنَفعل”. أي أن تكون المشاركة الانتخابية جزءًا من رؤية شاملة لإصلاح الدولة والمجتمع، لا مجرد حضور رمزي أو ممارسة شكلية. وهذا يحتاج إلى وعي جماعي وتنظيم وتربية سياسية تعلي قيمة العمل المشترك، وتفضّل نجاح الفكرة على بروز الفرد، وتُصَغِّر الأنا أمام الهدف الوطني الأكبر.
وباختصار، فإن الكثرة المفرطة في المرشحين ليست ظاهرة ديمقراطية صحية، بل هي دليل على أن الديمقراطية ما زالت في طور التعلم. والنضج السياسي الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن طريق الإصلاح لا يُفتح بكثرة الأسماء، بل بوحدة الرؤية، وقوة التنظيم، ووضوح الهدف، والتزام المشروع الحضاري.

الاطاحة بـ 329 مسؤولاً في وزارة الكهرباء بسبب "ضائعات الجباية"
15-نيسان-2026
حراك نيابي لملاحقة مستثمري المجمعات السكنية المتلكئة
15-نيسان-2026
العراق السابع عربيا بتصنيف الأساطيل البحرية لعام 2026
15-نيسان-2026
ترمب: نميل للذهاب إلى مفاوضات جديدة في باكستان
15-نيسان-2026
خفايا تأجيل اجتماع الحسم.. من يملك مفتاح قصر حكومة 2026؟
15-نيسان-2026
تقرير أمريكي حول العراق: الحرب الاقليمية تكشف هشاشة السيادة ويهدد بخيارات بين التقشف والانهيار
15-نيسان-2026
أزمة المولدات الأهلية في بغداد: صراع «التسعيرة الرسمية» واستقواء أصحاب المولدات على المواطن
15-نيسان-2026
أرنولد: رحلة التصفيات عززت الثقة بالمنتخب العراقي على إحراج المنتخبات الكبرى
15-نيسان-2026
إجراء احترازي لحماية مبابي في مباراة ريال مدريد وبايرن ميونخ
15-نيسان-2026
حق المواطن العراقي في نزاهة الإعلان التجاري
15-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech